
يوميات حسين الاعظمي (1508)
مقاميون بلا حدود/ 18
محمد العاشق المقامي العاشق (1905–1984)
ملف خاص عن مطرب المقام العراقي محمد العاشق. من كتابي (الطريقة القبانجية في المقام العراقي واتباعها) الصادر في كانون ثاني 2009.
ان نظرة الجماهير المحبة والمتذوقة لغناء وموسيقى المقامات العراقية الى نتاجات المطرب المقامي محمد العاشق، لم تكن في نظر الأكثرية الجماهيرية ترى فيه مغنياً مقامياً بالمعنى المتداول، في بداياته على الاقل..! إذ لم يكن قد أدّى الكثيرَ من المقامات العراقية خلال سني حياته وتجربته الادائية. وفي بدايته مارس الاداءات الدينية من خلال أجوائها كالمدائح النبوية والمناقب النبوية الشريفة والتهاليل والاذكار(هامش1) حيث أدرك الملاّ عثمان الموصلي(هامش2) وإعتـُبـِر من تلامذته المتأخرين. وفي العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين شارك المؤدي محمد العاشق مع زملائه المغنين تسجيل بعض المقامات العراقية لصالح الشركات الاجنبية التي كانت تتجول في كثير من الدول لتسجل تراث الشعوب الغناسيقي. وقد سجل بعض المقامات العراقية كمقام البهيرزاوي ومقام الجهاركاه والشعر مع الابوذية ... الخ. وسادت نظرة الجماهير الى كونه مغنياً بستجياً(هامش3) أكثر منه مغنياً مقامياً بالمعنى المتداول حتى نهاية مسيرته الفنية. لا لأنه لم يلبِّي حاجة الاتجاهات الذوقية والفكرية الدافعة الى مطالبة المغنين بصورة عامة الى غناء الكثير من المقامات العراقية أو جميعها كي يحسب من المغنين المقاميين..! بل لأنه كان بالاساس فناناً يملك بعضاً من صفة الاحتراف، ومع أن مستوياته الفنية الادائية كانت جيدة، تساعده على ذلك خامته الصوتية الجيدة وهي من فصيلة "التنور"(هامش4) وكذلك إهتمامه بعدد قليل من المقامات العراقية دون غيرها. إلا أنه نجح في تأدية الكثير من الأداءات المقامية والأشغال الدينية، ويرى بعضُ النقاد أنَّ هذه الاجواء الدينية والدنيوية عند ممارسته لها، أمر لا يخلو من قيمة مقامية.
تسجيلاتُه الغنائية
لقد قيل الكثير عن موضوع تسجيله لبعض الاسطوانات المقامية أو بعض الاغاني لصالح الشركات الاجنبية للتسجيلات الصوتية الغناسيقية في العشرينيات أو الثلاثينيات من القرن العشرين، ولكننا لم نعثر عليها أو لم نسمعها ولم يسمعها الكثيرون ممن يهتمون بهذا الشأن. ولكننا إستمعنا إليه بصورة مباشرة مرَّات عديدة وهو في عمر تجاوز السبعين عاماً ضمن الحفلات الأُسبوعية المستمرة يوم الجمعة من كل أُسبوع في مقهى المتحف البغدادي مطلع السبعينيات كما مرَّ بنا. وبقي كذلك حتى وفاته في عمر ناهز او تجاوز الثمانين عاماً بقليل. والملاحظة المهمة في هذه التسجيلات البسيطة في تقنيات تسجيلها، أنَّ المطربَ محمد العاشق يمتلكُ خامةً صوتية أكثر من جيدة..! ورغم أنَّه لا داعي للحديث عن فنيَّات الاداء وتفصيلاته بالنسبة لهذه التسجيلات، لكبر سنِّهِ وشيخوخته وأُفول قابلياته الادائية، إضافة الى بساطة التسجيل كما قلنا قبل قليل، إلا أن ذلك من ناحية اخرى يعتبر ظاهرة نادرة في تاريخ قابليات مُغنّي المقام العراقي لمطرب بقي يغني حتى وفاته وهو في عمر كبير ناهز الثمانين عاماً.
وجدير بالذكر، ان الرئيس العراقي الأسبق المرحوم أحمد حسن البكر(1968–1979م)، أمر أن تسجل للمطرب محمد العاشق سهرة تلفزيونية في تلفزيون بغداد لمجموعة من المقامات والاغاني العراقية التراثية. وكان ذلك أواخر السبعينيات من القرن العشرين. تكريماً لتاريخه وشيخوخته ولأغراض الارشفة والتوثيق نظراً لضياع الكثير من التراث الشخصي لهذا المطرب الرائد. ومع ذلك لم أستطع الحصول على نسخة من هذه السهرة التلفزيونية حتى اليوم، لكنني أتذكر أنني شاهدتها من شاشة التلفزيون في حينها.
مقـامـاتـُه
على كل حال، إليك عزيزي القارئ بعضُ المقامات العراقية المسجلة بصوت المطرب محمد العاشق مع كلامها المُغنّى وهي تسجيلاتُه من حفلات المتحف البغدادي. ففي مقام الجهاركاه غنّى هذه الأبْيات.
(جسد ناحل وقـــلب جريـــــح/ودموع على الخدود تسيــح)
(وحبيب مـــرّ التجني ولكــــن/كلما يفعل المليح مليــــــــح)
(يا خلي الفؤاد قد ملء الوجد/فؤادي وبرح التبريـــــــــــح)
(جد بوصل أحيا به أو بهجــر/فيه حتفي لعلني أستريـــــح)
ومن سلم مقام الحجاز غنى هذه الابوذيات والعتابة في أُسلوب شكل(Form) المصلاوية.
(يرد روحي عليها الترف ينجــــــــــــــــــــــاد)
(وحق من بلوته ايوب ينجـــــــــــــــــــــــــــاد)
الشطر الثالث مفقود
(انا سيد وشوكت اتحن عليــــــــــــــــــــــــــه)
**************
(حلو لابس طويل حبي ولانـــــــــــــــــــــــي)
(الندامة ما تسليني ولانـــــــــــــــــــــــــــــي)
(ابعكد ضيج نفر مالي ولانــــــــــــــــــــــــي)
(غدرني ونبت السهمين بيـــــــــــــــــــــــــه)
**************
(حبيبي من وره الشباك شفتـــــــــــــــــــــــه)
(غمزلي بحاجبه وعضلي بشفتـــــــــــــــــــه)
(تره عيني العمت لاجان شفتــــــــــــــــــــــه)
(نغل وشبدل قلبه عليــــــــــــــــــــــــــــــــه)
**************
(تحاجيني براس الكشك من فـــــــــــــــــوق)
(يصح باغة يدك العجل فــــــــــــــــــــــــوق)
(يباشة رون بلي جاي من فــــــــــــــــــــوق)
(تحاجيني ترك ما افهم جـــــــــــــــــــــــواب)
***************
وفي مقام جهاركاه آخر ومقام الاورفة كلٍّ على حدة كرَّر هذه الأبيات.
(الشوق شوقي والغرام غرامــــي/والحب حبي والهيام هيامـــــــي)
(والوجد وجدي فوق كل صبابتــي/ومقام حبي فوق كل مقامـــــــي)
(دعوى المحبة لي عليه شواهــــد/دمعي وسهدي بالدجى وسقامي)
(الناس في سلوى وسعود حبهــــم/ومحبتي للمصطفى وغـرامــــي)
وفي مقام اورفة آخر، غنّى هذه الابيات.
(عيون من السحر المبين تبيــن/تسالمها العشاق وهــي تقــــــول)
(مراض صحاح ناعســـــــــــات/ناعمات لها عند تحريك الشمـول)
(اذا هي ألبست حلياً من الهـوى/ولكن لها كن مغرما فتقــــــــــول)
وفي مقام الصبا غنى هذه الأبيات.
(خليلي دمع العين قد جرَّح الخــدا/وبيـَّض شعري بعد ما كان مســـودا)
(بليت بقاسي القلب عذَّب مهجتي/رضيت به مولى ولم يرض بي عبـدا)
(لاتدعني أموت فيك إشتياقــــــــا/فاتخذني لعبد عبدك عــــــــــــــــــبدا)
وفي مقام الحكيمي غنى نفس الزهيري الذي يغنيه فناننا الكبير محمد القبانجي في نفس المقام (الحكيمي) ايضا ..
(مرافجي حين ما جضن وساجاتـــــــــي)
(وقواي عزمي ضون منهن وساجاتـــي)
(يمته يعود الهنا واحدي بساجاتـــــــــي)
(واشاهد ام الطلب واطرب واناملــــه)
(والروح تفتر من بعد الاناملـــــــــــه)
(لو اختبر يا سعد ما جنت اناملـــــــه)
(سهران ليلي وراسي بيـــن ساجاتـــي)
والى حلقة اخرى ان شاء الله.
هوامش
هامش1:أ، الاذكار – مفردها ذِكِر يجتمع فيه الصوفيون ويقرعون دفوفا خاصة وترافق هذه الدفوف آلة ايقاعية تسمى الخليلية ويرددون قصائد نظمت باللغة الدارجة في مدح الرسول الاعظم وقد تشعب هؤلاء الى عدة طرق منها الطريقة الرفاعية نسبة الى السيد احمد الرفاعي والطريقة القادرية نسبة الى الشيخ عبد القادر الكيلاني والطريقة السهروردية نسبة الى الشيخ عمر السهروردي والطريقة البدوية نسبة للسيد احمد البدوي والطريقة النقشبندية ومؤسسها الشيخ محمود النقشبندي وقد اخذها من الطريقتنين السهروردية والسرهندية واصبحت طريقة واحدة سميت باسمه .
ب، التهاليل – مفردها تهليلة وهي ان يقف الصوفيون على شكل دائرة ( حلقة ) ويذكرون اسماء الله الحسنى باصوات منسجمة واوزان خاصة وينبعث من بينهم مؤدي مقام ينشد قصائد لشعراء صوفيين ويتوسط الحلقة رجل مرتدي لباساً خاصاً وهو لباس المولوية يستدير بمكانه بسرعة وهو واقف ويعمل بيديه حركات متنوعة حيث يفرش في الدوران رداءه العريض وسط هذه الحلقة اما الواقفون فهم يوحدون بلفظه دايم الله حي وبلفظه لا اله الا الله حسب اصول متبعة اما رئيس هذه التهليلة فيسمى شيخ الحلقة او المرشد .
ج، المناقب- مفردها منقبة وتتلى فيها المدائح النبوية وتتكون من اربعة فصول ويرتلها رجل يسمى ( الملا ) يجلس قرب البطانة المكونة من ثمانية او عشرة اشخاص وهم يرددون الاشغال الملحنة حسب المقام الذي ينشده الملا او مؤدي المقام ( خليل ، شعوبي ابراهيم ، المقامات ، وزارة الارشاد ، مط اسعد ، بغداد 1963 ، ص 35-36 ) .
هامش2: الملا عثمان الموصلي – ابن الحاج عبد الله بن الحاج فتحي بن عليوي الموصلي . من عائلة الطحان الموصلية ، ولد 1271 هـ 1854 م في الموصل – توفي والده وعمره 7 سنوات ، فقد بصره وهو صغير السن لا صابته بمرض الجدري , حفظ القران الكريم وهو صغيرا وتعلم الموسيقى وحفظ كثيرا من الشعر أيضا . جاء بغداد بعد وفاة السيد محمود فتولى تربيته احمد عزت العمري وهو ابن السيد محمود .. فحفظ صحيح البخاري على يد الشيخ داود وبهاء الهندي ، تعلم القراءات على يد السيد الحاج حسن ، ثم أخذ الطريقة القادرية عن السيد محمد النوري، ذهب الى استانبول وهناك أعجب به السلطان عبد الحميد الذي امر بتعيينه مديرا لجامع أيا صوفيا الذي كان يصلي فيه السلطان عبد الحميد، تجول بين بيروت وسوريا وتركيا وتعرف على مقرئيها وفنانيها ثم سافر الى مصر فالتف حوله المغنين والموسيقيين ثم عاد الى بغداد وعمل في جامع الخفافين .. كان الملا عثمان من اذكى الناس ، سريع الحفظ .. رحيم كريم الطبع والاخلاق شاعرا فصيحا وعاميا وباللغة التركية والفارسية وملحنا ، سريع البديهة ، خطيبا بليغا عازفا ماهرا على الات القانون والعود والناي والضرب على الايقاع عالما بها .. اخذ عنه ابو خليل القباني من اكابر الفنانين في عصره واخذ عنه ايضا عبد الحمولي الموشحات وبعض الانغام التركية ، نشر سلمى الحجاز كارو النهاوند في مصر والبلاد العربية حيث كانا مجهولين .. خمس كثيرا من القصائد للشاعر عبد الباقي العمري , لحن الكثير من الاشغال الدينية التي تؤدى في المناقب النبوية الشريفة وربما كلها وهي من نظمه وتلحينه وقد اعطى معظمها الى تلميذه سيد درويش عندما تلمذ على يدي الملا عثمان في حلب عندما جاءت فرقة عطا الله المصرية الى حلب وفي القاهرة عندما ذهب الملا عثملن الى مصر اواخر القرن التاسع عشر .. الف كتبا كثيرة في شتى العلوم منها .
ابيض خواتم الحكم ( في التصوف )
كتاب نباتي - الطراز المذهب في الادب - الابكار الحسان - التوجع الاكبر بحادثة الازهر - رسالة من تخميس الامام اليوصيري -جمع نفح ديوان عبد الباقي العمري ( الترياق الفاروقي ) .
وقد تلمذ على يديه الكثير من قراء القران العراقيين منهم
الحافظ مهدي - عبد الفتاح معروف - محمود عبد الوهاب
محمود الهاشمي ( الرجب ، الحاج هاشم محمد ,،المقام العراقي ، ط ثانية ، بغداد ، 1983 ص 114-118، كذلك انظر كتابي أيضا ( المقام العراقي الى اين ؟ ) ص53 – المؤلف - .وكذلك كتاب ( المقامات ) لشعوبي إبراهيم الصادر عام 1964 في بغداد .
هامش3: البستجي، البسته:- كلمة معناها(الرابط) وهي من الأغاني الخفيفة المرحة ملحقة بالمقام العراقي الذي يغنيه المغني فهي ملحقـة بالمقام المغنى، والمطرب الذي يغنيها يطلق عليه بستجي(رشيد ، د. صبحي انـور ، الالات الموسيقية المصاحبه للمقام ، ط أولى ، بغداد ، 1989 ، ص94 ) – وكذلك قال الفنان د.عادل امين خاكي عند مناقشته لاحد طلبة الماجستير في كلية الفنون الجميلة قسم الموسيقى في 20/3/2002 عن مفردة البسته على انها تعني لحن . – المؤلف –
هامش4: التينور– الصوت الذي يلي الباص ضمن انواع الاصوات وتمتاز معظم الاصوات الرجالية به وخاصة مؤدي المقامات العراقية حيث يتسع لكل ابعادها.

صورة 1 / حسين اسماعيل الاعظمي مع بعض اوسمته حاملا وسام الثورة الجزائرية بعد حفلاته في ذكراها الخمسين. الجزائر 2005.
صورة 2 / المطرب المخضرم محمد العاشق (1905-1984).

صورة 3 / في مقهى المتحف البغدادي في نيسان 1974 يظهر فيها من اليسار حسين الأعظمي وهويغنيمقام الجهاركاه وبجانبه المطرب محمد العاشق والخبير المقامي ابراهيم الخشالي وآخرين.
