
من رحم النضال- للتأريخ/ 127
د. مزاحم مبارك مال الله
حصلت على إجازة سبعة أيام من آمر اللواء استجابة لهامش نقيب عباس بناءً على طلبي.
غادرت مدينة العمارة بنفس الطريقة المعتادة الشائكة والجهود المضنية في الوصول الى كَراج بغداد، ولكن هذه المرة قد حل الظلام قبل أن ننطلق، والسبب لأن توقيع نموذج الأجازة تأخر كونها في بريد آمر اللواء.
جاوزتِ الساعةُ الحادية عشرة ليلاً حينما رميتُ بجسدي المثقل، المتعب على أحد مقاعد «التاتا» التي توقعتُ أنها ستمخر بنا في هذا الدرب الموحش في لُجّة الظلام الحالك، بهدوء وسلاسة وسرعة. السماء بدت لي مدلهمّة، والقمر ينير بعضاً من غيومها السوداء المتكدسة فوق بعضها. بعد دقائق لم تتجاوز العَشْر، أطفأ السائق الإنارة الداخلية وراح يقودها وكأنه يمتطي مُهرة رشيدة، وحينما حلّ الظلام التام داخل السيارة، بدت لي الدنيا — وأنا أفكر في تفاصيلها — أكثر ظلاماً؛ فهي لم تفتقد القمر وحسب، وإنما شعرتُ — ولأول مرة أعيش هذا الإحساس — أن حياتنا تفتقد إلى النور في بداية النفق، وكذلك في نهايته."
حاولت جهد الإمكان ان انفق الوقت بنوع من الإغفاءة المصطنعة ولكنها ابت ان تبارح اليقظة المرتبطة بنشوة التمتع بأيام إجازة طويلة.. والتي ستبدأ من بعد غد لذلك آليت ان اقسي على نفسي استفادةً من الساعات والأيام لقضاء أطول وقت مع العائلة..
كان الجو معتدل فنحن في بداية شهر نيسان 1990ورسمت في مخيلتي جملة من المشاريع لترفيه العائلة في الزيارات ولتغيير روتينها الذي لا يكسره الا وجودي معهم.
في الطريق والسيارة تلتهم الطريق التهاماً، كان اكثر ما يشدني ويقلقني هي الأجواء التي توحي لسائق السيارة بالنعاس.. فكثيرا ما كنت أرى حوادث السيارات صغيرها وكبيرها اما بسبب السرعة او بسبب نعاس السواق والذي كان دوماً هو المرجح جراء الاجهاد الناتج عن اللهاث وراء تحقيق اكبر عدد من مرات نقل الناس وأغلبهم عسكريين ذهاباً وأياباً لتضخيم دخولهم جراء هذه المهنة المتعبة. لذلك كنت اطلب من الشخص القريب من السائق همساً.. ان يتحدث معه ويسأله ان كان محتاجاً لشيئ او انا أقوم بنفسي بهذه المهمة من حلال أسئلة ساذجة.. (وين وصلنا؟ بعد شكَد ونوصل للصويرة، عندك جهال ...الخ)...
بان الشعاع الأول من الفجر حينما وصلنا مفرق بغداد الجديدة.
- يتبع -
