
نجلة عماد... حين تنتصر إرادة الإنسان على الإعاقة وتفضح إخفاقات الأوطان
د. عامر ملوكا
ليست المعجزات دائما أحداثا خارقة للطبيعة، بل قد تكون إنجازات يصنعها الإنسان بإرادته حين يرفض الاستسلام، ويتحدى الظروف، ويؤمن بأن قدراته أكبر من العقبات التي تواجهه. فكم من إنسان امتلك أسباب النجاح لكنه أخفق بسبب التردد، وكم من إنسان حاصرته الصعوبات من كل جانب، لكنه استطاع بالعزيمة والإصرار أن يصل إلى قمة لم يكن الآخرون يتوقعون بلوغها.
إن قصة البطلة العراقية نجلة عماد ليست مجرد حكاية رياضية عن فتاة فازت بميدالية ذهبية، بل هي درس عميق في معنى الإرادة الإنسانية، ورسالة إلى كل من يعتقد أن الإعاقة أو الفقر أو ضعف الإمكانات يمكن أن تكون نهاية الطريق.
كانت نجلة طفلة صغيرة من محافظة ديالى عندما تعرضت عام 2008 لحادث مأساوي إثر انفجار عبوة ناسفة استهدفت سيارة والدها في بعقوبة. فقدت ساقها اليمنى من منطقة الفخذ، وساقها اليسرى عند الركبة، وذراعها اليمنى. كانت مأساة قاسية كان يمكن أن تجعلها أسيرة الألم واليأس، لكنها لم تسمح للحادث بأن يحدد مستقبلها.
اختارت نجلة أن تواجه واقعها الجديد، وأن تبحث عما تستطيع تحقيقه بدلا من الاستسلام لما فقدته. دخلت عالم تنس الطاولة، وتدربت مستخدمة يدها اليسرى، وحولت الرياضة إلى وسيلة لاستعادة الثقة بالنفس ومواجهة التحديات. ومع مرور السنوات، انتقلت من مرحلة محاولة تجاوز إعاقتها إلى المنافسة على أعلى المستويات الدولية.
وفي السابع من سبتمبر 2024، حققت إنجازا تاريخيا بفوزها بالميدالية الذهبية في منافسات تنس الطاولة البارالمبية في دورة الألعاب البارالمبية في باريس، بعد تغلبها في المباراة النهائية على الأوكرانية مارينا ليتوفشينكو، بطلة أولمبياد طوكيو 2020 في هذه الفئة، بنتيجة ثلاثة أشواط مقابل شوط واحد.
لم تكن تلك الميدالية مجرد قطعة ذهبية، بل كانت ثمرة سنوات من التدريب والصبر والتضحية، ودليلا على أن الإنسان لا يقاس بما فقده، وإنما بما يستطيع تحقيقه رغم الصعوبات. لقد أثبتت نجلة أن ضعف الإمكانات لا يعني انعدام القدرة، وأن الظروف الصعبة لا تمنع الإنسان من صناعة مستقبل مختلف إذا امتلك الإرادة ووجد الدعم المناسب.
وهنا يبرز السؤال: كيف استطاعت فتاة من محافظة تواجه تحديات اقتصادية وخدمية ورياضية أن تصل إلى منصة التتويج العالمية، في لعبة لا يمتلك العراق فيها تاريخا طويلا من الإنجازات البارالمبية الكبرى؟
لم يكن وراء هذا الإنجاز امتلاك إمكانات تضاهي إمكانات الدول المتقدمة، بل كانت هناك إرادة شخصية، وتدريب متواصل، ودعم من الأسرة والمدربين، وإيمان بإمكانية النجاح. وهذا لا يقلل من أهمية الدعم المؤسسي، بل يؤكد أن العراق يمتلك طاقات بشرية قادرة على التميز، وأن هذه الطاقات تحتاج إلى الرعاية والفرص العادلة حتى تظهر قدراتها.
لكن قصة نجلة تحمل معنى يتجاوز الرياضة، فهي تقدم لنا صورة صادقة عن حب الوطن حين يتحول إلى عمل وإنجاز.
إن حب العراق الحقيقي لا يقاس بكثرة الشعارات والخطابات، بل بما يقدمه الإنسان لوطنه من عمل وإخلاص وعطاء. وقد استطاعت نجلة، وهي من ذوي الإعاقة، أن تقدم لوطنها إنجازا دوليا يستحق الفخر، وأن تثبت أن خدمة العراق ليست حكرا على أصحاب المناصب والنفوذ، بل يستطيع كل إنسان أن يسهم فيها من موقعه وبحسب قدراته.
وهنا تظهر المفارقة المؤلمة بين إنجاز الأفراد وإخفاق بعض المسؤولين. فنجلة واجهت ظروفا جسدية قاسية، لكنها استثمرت ما لديها من قدرات لتصنع إنجازا عالميا، بينما يستطيع الفساد وسوء الإدارة والمحاصصة وتغليب المصالح الشخصية والحزبية أن تبدد فرص بلد يمتلك ثروات طبيعية وبشرية هائلة.
إن المقارنة ليست بين نجلة ومسؤول بعينه، بل بين نموذجين في فهم المسؤولية. نموذج يؤمن بأن عليه أن يعمل ويقدم أفضل ما لديه، ونموذج يجعل المنصب وسيلة للمكاسب بدلا من اعتباره أمانة لخدمة الناس. فالوطن لا يحتاج إلى مسؤول يكثر من الحديث عن الوطنية، بقدر حاجته إلى مسؤول يحمي المال العام، ويحارب الفساد، ويدعم الكفاءات، ويضع مصلحة العراق فوق كل مصلحة أخرى.
تخيلوا لو أن العراق استطاع اكتشاف مواهبه ورعايتها في المدارس والجامعات والأندية والمراكز الرياضية، ولو أن أبناء المحافظات التي تعاني نقص الخدمات حصلوا على فرص عادلة للتعليم والتدريب، ولو أن الأشخاص ذوي الإعاقة وجدوا منشآت مناسبة وبرامج دعم متخصصة. كم من موهبة يمكن أن تظهر، وكم من إنجاز يمكن أن يتحقق، وكم من شاب يمكن أن يصبح قصة نجاح ترفع اسم بلاده؟
إن مسؤولية الدولة لا تنتهي بتكريم الفائزين بعد نجاحهم، بل تبدأ بتوفير البيئة التي تساعدهم على النجاح. فذوو الإعاقة لا يحتاجون إلى الشفقة بقدر حاجتهم إلى الاحترام والفرص المتكافئة والدعم الذي يمكنهم من المشاركة الفاعلة في المجتمع. كما أن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الحقيقي في مستقبل العراق، لأن الثروات وحدها لا تبني دولة ناجحة ما لم تقترن بإدارة كفؤة ومؤسسات نزيهة وتعليم جيد.
لقد علمتنا نجلة عماد أن الإرادة لا تعني غياب الألم، بل تعني ألا نسمح للألم بأن يسلبنا حق الحلم. وعلمتنا أن الثقة بالنفس لا تتحقق بالأمنيات وحدها، بل بالعمل والتدريب والصبر والإيمان بالهدف. وفي الوقت نفسه، وضعت أمام العراق مرآة يرى فيها الفرق بين من يرفع اسم الوطن بجهده، ومن يسهم بالفساد أو الإهمال وسوء الإدارة في إهدار فرصه ومستقبله.
نجلة من ديالى، وبإمكانات لا تقارن بإمكانات الدول الكبرى، استطاعت أن تقف على منصة عالمية وترفع علم العراق. فماذا لو امتلك العراق إدارة رشيدة ومؤسسات نزيهة وإرادة سياسية تضع المواطن في مقدمة أولوياتها؟ ربما لن تكون لدينا نجلة واحدة، بل مئات وآلاف من أصحاب المواهب الذين ينتظرون الفرصة المناسبة.
إن حب العراق ليس أن نتغنى باسمه فقط، بل أن نعمل من أجله، ونحمي ثرواته، ونصون كرامة أبنائه، ونرفض الفساد، ونمنح الأجيال الجديدة حقها في مستقبل أفضل.
نجلة عماد رفعت علم العراق بيد واحدة، لكنها رفعت معه معنى الإرادة الوطنية بأكملها. فهل يتعلم الذين يمتلكون السلطة والإمكانات أن خدمة الوطن تحتاج إلى ضمير حي وعزيمة صادقة، قبل أن تحتاج إلى الشعارات والمناصب؟
إن الذهب الذي حصلت عليه نجلة سيبقى إنجازا تاريخيا، لكن الذهب الحقيقي في قصتها هو إيمانها بأن الإنسان يستطيع أن يصنع الفرق حين يمتلك الإرادة، ويجد من يؤمن بقدراته، ويعمل بإخلاص من أجل هدف يستحق التضحية. وهذا هو الدرس الذي يحتاج العراق إلى أن يتعلمه: أن الأوطان لا تنهض بثرواتها وحدها، بل بإرادة أبنائها، ونزاهة مؤسساتها، وقيادات تجعل مصلحة الوطن فوق كل مصلحة أخرى.
