
من رحم النضال- للتأريخ/ 128
د. مزاحم مبارك مال الله
كانت فرحة ام هند غامرة حينما اخبرتها "ان اجازتي طويلة".. وقالت: "يارب تكون اخر إجازة وترجع نهائياً كي تخلص من هذا التعب والخطر.."
قالت ذلك خصوصاً وان النظام الدكتاتوري المجرم قرر تسريح المهندسين مقابل 3 سنوات خدمة بينما الأطباء ان يكملوا 5 سنوات خدمة.. في إجراء يعكس حقده الدفين ضد الأطباء الذين يضمر في نفسه المريضة حقداً يعود الى عام 1959.
رغم التفاؤل الذي تلبسني ورغم تنفيذ كل الخطط التي رسمتها في مخيلتي خلال طريقي الى بغداد للتمتع بالإجازة، ورغم اني تناولت كل الاكلات الشهية التي ارغب في تناولها وأنا على التهلة أو وأنا اتناول وجبات الطعام التي نحضرها في تلك الظروف القاسية، الا ان الشعور بحلاوة الإجازة، قد انتهى..
صحوت مجدداً من الرحلة المؤقتة في كنَف المَدَنية كي ابدأ في تهيئة نفسي لجولة جديدة من جولات الصراع من أجل البقاء..
لأول مرة أجرّب رحلة الألتحاق فجر يوم نهاية الإجازة.. ففي كل المرات كنت أودع العائلة قبل يوم كامل ولكن هذه المرة كان لي حدس ان لا يحصل شيء حينما أتأخر الى مساء يوم الالتحاق (يعني تأخير ما لايقل عن 8 ساعات).
اعتدّت ان اتناول فطوري في مدينة العمارة، وتحديداً في كَراج الباصات الذي يطلقون عليه كَراج بغداد، الفطور هو صمون وكَيمر وشاي، الكَيمر هو كَيمر أصلي (من حليب الجاموس)، اللذيذ جداً.. كنت أبحث عن ذات الفتاة رائعة الجمال ذات العينين الخضراويتين والوجه الأبيض المدوّر، التي اتناول عندها الفطور ولأسباب منها أنها جميلة جداً وتعتني بنظافة المكان الذي تتخذه لتبيع بضاعتها كما ان الحليب والشاي ساخنان بأستمرار على جذوة نار (المطال) ذات اللهب الأحمر تخترقه شعلة اللهب الأخضر -الأزرق.
كنت في كل مرة انقدها بعض المال زيادة عن المبلغ المطلوب وتبدأ هي بالدعاء لي متوسلة بالباري ان يجنبني أي مكروه وان اعود الى اهلي سالماً غانماً.
واصلت رحلتي الى خلفيات الفوج، فأذا بي أرى كل الوجوه التي تركتها في عمق الهور على أمل أن يستمتعوا بأجازاتهم بعدي وحسب تسلسلهم الزمني، بل رأيت حتى الذين التحقوا يوم تقديمي للأجازة ..
الأمر غريب حقاً.. أمتد بصري بكل الإتجاهات فأذا بكل قوات الفوج قد أفترشت مساحات واسعة من أرض اليابسة في الخلفيات ، سألت ما الأمر؟
فجاء الجواب من أحد الضباط.. دكتور أنه أمر هيكلة..!!
- يتبع –
