للذهاب الى صفحة الكاتب   

قراءة في النتائج الأولية: حدود "الديموقراطية الصهيونية" هي حدود بقاء الكيان

علاء اللامي

كاتب عراقي

 

الديموقراطية الصهيونية عبارة من كلمتين تنفي إحداهما الأخرى مضمونياً. فالصهيونية حركة عنصرية استيطانية قائمة على التمييز بين البشر على أساس العِرق والدين وتؤمن بالتفوق العرقي اليهودي، أما الديموقراطية فهي حالة مساواتية إنسانية ترفض التمييز العنصري والتفوق العرقي بين البشر. هذا هو أساس الدحض النظري الموَّثق لخرافة "الديموقراطية الصهيونية"، فماهي الملامح العملية الدالة على استحالة الجمع بين الصهيونية والديموقراطية؟

 

حديث الأرقام والوقائع

حتى لو غضضنا النظر عن نتائج الانتخابات الحالية، ونظرنا إلى نتائج الانتخابات السابقة لها، التي جاءت بحكومة الإبادة الجماعية برئاسة نتنياهو ولا تختلف عنها من حيث الجوهر والنتائج سنجد الخلاصات والملامح الرئيسة ذاتها، ومن ذلك:

- يشكل العرب الفلسطينيون (عرب 1948) نسبة سكانية في الكيان تصل إلى حدود 21.7% بعديد سكاني يصل إلى مليونين ومائة وسبعين ألف نسمة. وقد حصلوا على عشرة مقاعد في الانتخابات السابقة. أي إنَّ خصوم ومعارضي نتنياهو كانوا قادرين على منع نتنياهو من تشكيل حكومة يمين متطرف وتشكيل حكومة بالتحالف مع القوائم العربية حتى في الانتخابات السابقة لسنة 2022. ولكنهم رفضوا ذلك (فمثلا رفض ليبرمان رئيس حزب "إسرائيل بيتنا" بشكل قاطع تشكيل حكومة أقلية بدعم الصوت العربي) لأسباب عنصرية وأيديولوجية تحظر التعامل مع القوائم العربية. هذا أول ملمح من ملامح حدود الديموقراطية الصهيونية.

 

- وحتى في التجربة الوحيدة التي شاركت فيها قائمة عربية (قائمة منصور عباس) تجربة حكومة الثنائي (بينيت - لبيد) عام 2021 مقابل منصب هزيل هو نائب وزير في مكتب رئيس الحكومة، لم تستطع "الديموقراطية الصهيونية" استيعاب وهضم هذه المشاركة. وسارعت إلى إفشالها بحجة أن الحكومة الصهيونية واجهت ضغوطاً هائلة واتهامات بالخضوع لإملاءات عربية عند أي توتر أمني أو تصويت يتعلق بالاستيطان، مما أدى إلى تفكك الائتلاف الحاكم وسقوطه في النهاية! وهذا هو الملمح الثاني "للديموقراطية الصهيونية".

 

استحالة ضم الأرض والسكان

- لماذا لا يستطيع الكيان الإبادي ضم الضفة الغربية وقطاع غزة إليها بالكامل حتى لو قررت ذلك وأيدتها الإدارة الأميركية؟ لأن نسبة السكان العرب (الفلسطينيين) سترتفع بموجب الإحصائيات الصهيونية نفسها إلى 50% من إجمالي السكان في فلسطين الممتدة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط (فلسطين التاريخية). وهذا يعني أن نصف مقاعد الكنيست وربما أكثر ستكون بحوزة العرب الفلسطينيين وسيكونون قادرين على تشكيل الحكومة بمفردهم والبدء بتفكيك الكيان بنزع صفة يهودية الدولة عنه أولا وصولا إلى قيام فلسطين ديموقراطية من النهر إلى البحر. وهذا ما تخشاه الصهيونية دولة وأحزاب وحلفاء وتعدُّه انتحارا وجوديا وليس استعادة لفلسطين التوراتية كما يحلمون!

 

-هذا لا يعني أنهم لن يعودوا يفكروا بالخرافات التوراتية عن أرض الميعاد من الفرات إلى النيل، ولا بفلسطين التاريخية التي يسمونها "أرض إسرائيل" بين النهر والبحر، ولكنهم يفكرون بطرق أخرى لتنفيذها وهي طرق الإبادة الجماعية والتهجير. وقد جرَّبوا ذلك في غزة طوال ثلاثة أعوام على مرأى من العالم والدول العربية والإسلامية. فلماذا لا يكررون المحاولة؟ وهذا هو الملمح الثالث لحدود "الديموقراطية الصهيونية".

 

- النتائج الأولية للانتخابات الأخيرة تقول إنَّ القوائم العربية حققت اختراقا كبيرا وحصلت على 19 مقعدا لأول مرة في تاريخ الكيان، وقد ينخفض العدد بمقعد واحد بعد فرز الأصوات المزدوجة للعسكريين. ولكن مقاعد الفريقين الصهيونيين المتنافسين حصلا على نتائج متقاربة، مع تقدم لمعسكر نتنياهو. فماذا يمكن أن نتوقع ونستشرف من احتمالات مادامت العقلية العنصرية حكمت برفض التعامل مع القوائم العربية الفلسطينية، ربما باستثناء حزب الديموقراطيين الحاصل على ما بين ثمانية إلى عشرة مقاعد.

 

الاستثناء الغولاني وشبكة الاحتمالات

لقد دعا زعيم الحزب الديموقراطي قبل ساعات يائير غولان إلى تشكيل "حكومة تغيير" بالشراكة مع الأحزاب العربية (مثل القائمة الموحدة والقائمة المشتركة) وأضاف "لدينا أغلبية، لدينا مسؤولية، ولدينا فرصة لتشكيل حكومة تغيير بالشراكة مع المواطنين العرب في إسرائيل". وأضاف: "65 مقعداً هي أكثر من 55، هكذا تعمل الديمقراطية الإسرائيلية، انتهى الأمر".

 

إن هذا الاستثناء الغولاني في الموقف من الصوت العربي في انتخابات الكيان لن يشكل أكثر من صدع صغير في الديموقراطية الصهيونية وجوهرها "يهودية الدولة"، ولن يتعدى الأمر ذلك بل قد يؤدي الى تمزق المعارضة الهشة والقائمة فقط على مطلب إسقاط نتنياهو الشخص والإبقاء على النتنياهوية النهج الإبادي الصهيوني. فما هي الاحتمالات الممكنة:

1- ينشق جزء من تحالف نتنياهو ويلتحق بتحالف أيزنكوت ويشكل حكومة أغلبية.

 

2-ينشق جزء من تحالف أيزنكوت ويلتحق بتحالف نتنياهو ويشكل حكومة أغلبية.

 

3- يشكل المعسكران الصهيونيان (أيزنكوت ونتنياهو) حكومة وحدة وطنية تقوم على المناصفة والقيادة بالمناوبة.

 

4-يشكل أحد الفريقين والأرجح أنه فريق أيزنكوت حكومة أقلية بعد الحصول على شبكة أمان برلمانية من القوائم العربية.

 

5-التوجه إلى انتخابات جديدة واستمرار حكومة نتنياهو كحكومة تصريف أعمال. وهذا الاحتمال غير مستبعد وله حساباته الخاصة التي لا تخرج ما يسمى "الديموقراطية الصهيونية" من جوهرها وطبيعتها.

 

النتيجة الأكيدة الأولى، بعد فرز 70% من الأصوات، هي أن أياً من نتنياهو أو أيزنكوت لن يستطيع تشكيل حكومة جديدة من تحالفه فقط من دون الاستعانة بأصوات العرب الفلسطينيين. أما الاحتمال الأول (انشقاق جزء من تحالف نتنياهو والتحاقه بتحالف أيزنكوت) سيكون ضعيفا بعد تقدم تحالف نتنياهو في عدد المقاعد، والثاني (انشقاق جزء من تحالف أيزنكوت والتحاقه بتحالف نتنياهو) هذا ليس مستحيلاً بل ممكن وقد يحدث في أية لحظة نظراً للطبيعة العنصرية الواحد للمعسكرين اليمينيين الصهيونيين، ولكن ماذا بخصوص الاحتمال الرابع والخاص بتشكيل حكومة أقلية من قبل أيزنكوت وجود شبكة أمان من الصوت العربي؟ هذا ما سوف نتوقف عنده قريبا في الفقرات المتبقية من المقالة.

 

الصوت العربي والشروط الصهيونية

من الناحية الدستورية والقانونية في الكيان، يمكن لغادي أيزنكوت تشكيل حكومة أقلية بدعم خارجي (شبكة أمان مريحة جدا بقرابة 19 مقعدا) من الأحزاب العربية. فالقانون الإسرائيلي لا يشترط نيل تأييد 61 نائباً لتمرير الحكومة في جلسة منح الثقة، بل يكتفي بحصولها على أغلبية نسبية من أصوات النواب الحاضرين والمصوتين بنعم؛ فإذا امتنعت القوائم العربية عن التصويت أو صوتت لمصلحتها من الخارج دون دخول الائتلاف وهذا ثمن باهظ مقابل لا شيء تقريبا سوى استبعاد نتنياهو وبقاء النتنياهوية، تمنح الحكومة الشرعية القانونية للانطلاق.

 

وقد يحدث هذا الاحتمال لهدف واحد كما قلنا قبل قليل هو حرمان اليمين المتطرف الإبادي بزعامة نتنياهو من تشكيل حكومة ولكن الحكومة الأخرى بزعامة أيزكوت ليست أقل يمينية وعنصرية وهذا الحل سيكون هشا ومؤقتا ويعطي لنتنياهو استراحة ليستعد قوته في الانتخابات اللاحقة التي ستجرى بعد انهيار حكومة الأقلية.

 

ومن شروط معسكر أيزنكوت للتعامل مع القوائم العربية:

1-الاعتراف الصريح بإسرائيل كـ "دولة يهودية وديمقراطية". وهذا يعني اعتراف العرب الفلسطينيين بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية وقبلوهم بتطبيقات العنصرية الصهيونية ضدهم وضد أهلهم في الضفة والقطاع.

 

2-فرض الخدمة العسكرية الإلزامية على الجميع بما يشمل الشبان العرب.

 

3-إدانة صريحة للمقاومة الفلسطينية في الضفة والقطاع وخاصة لحركة حماس وتصنيفها كمنظمة إرهابية.

 

وهذه الشروط هي الملمح الرابع على عقم واستحالة الديموقراطية الصهيونية.

 

الانقسام الفئوي المجتمعي:

ما يزيد من تشرذم المجتمع السياسي الصهيوني الانقسام الهوياتي وتشكل الأحزاب السياسي غالبا على أساس هذه الهويات المختلفة وعلى الشكل التالي:

 

حزب الليكود: يُعدُّ الحزب الحاضن تاريخياً لكتلة التصويت الشرقية التي تُعدُّ نواته الصلبة منذ انقلاب عام 1977 بقيادة مناحيم بيغن الذي أنهى 30 عاماً متواصلة من هيمنة حزب "المباي" (حزب العمل لاحقاً) وهمَّش اليسار الصهيوني. إضافة إلى فئات من مجموعات أخرى.

 

حزب شاس: حزب ديني يمثل الحريديم الشرقيين (اليهود المزراحيم) ومحاربة التمييز ضدهم.

 

الأشكيناز التقليديون: يمثلون تاريخياً النخبة المؤسسة للدولة (الجيش، القضاء، الأكاديميا، والإعلام). يميلون إلى العلمانية، والليبرالية، وحل الدولتين، ويرون في صعود اليمين والحريديم تهديداً لطابع الدولة الديمقراطي الغربي.

 

الأشكيناز العلمانيين والليبراليين: الصهاينة ويمثلهم حزب "يشار" (بقيادة آيزنكوت/لبيد)، وحزب الديمقراطيين (ميرتس والعمل سابقاً).

 

-المهاجرون الروس (أوروبا الشرقية): يشكلون كتلة منفصلة تماماً (نحو مليون ونصف المليون نسمة). يتميزون بعلمانية متطرفة ومعاداة شديدة لـ "الإكراه الديني" الذي يفرضه الحريديم، لكنهم في الوقت نفسه يتبنون مواقف سياسية يمينية عنيفة معادية للفلسطينيين ويمثل هؤلاء حزب "إسرائيل بيتنا" بزعامة أفيغدور ليبرمان.

 

-الحريديم الأشكيناز (الغربيين) ويمثلهم حزب "يهودت هتوراة" (يهودية التوراة).

 

لإن هذا الواقع المتشظي للمجتمع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين المحتلة يصعب دائما قضية حكم الكيان ولكنه يظل متماسكا وصلبا داخليا في مواجهة عدوه الأصلي وضحيته الأولى وهم السكان الأصليين ممثلين بالشعب الفلسطيني.

 

إن فقدان البرنامج لدى المعارضة الصهيونية لنتنياهو، واكتفاءها برفع شعار أسقطوا نتنياهو وأبقوا على النتنياهوية لن يوصلها إلى شيء. وستبقى تدور في حلقة "الديموقراطية الصهيونية" العقيمة والفاسدة التي تنقض نفسها بنفسها. وهذا الأمر ينطبق تماماً على المعسكر الصهيوني الآخر في الحكم. وهكذا ستستمر دوامة "الديموقراطية الصهيونية" بالدوران، ومعها يستمر الاضطهاد وحرب الإبادة الجماعية ومشاريع التهجير وسياسات التمييز العنصري بحق الشعب الفلسطيني صاحب الجغرافيا والتاريخ.

 

ذروة أزمة الديموقراطية الصهيونية

إن "الديموقراطية الصهيونية" بلغت ذروة أزمتها التأريخية في الانتخابات الأخيرة. فهي إذا كانت تمارس الحرمان والرفض لخمس السكان العرب الفلسطينيين الذين حصلوا على 19 مقعداً، فهي ستعتبر ضم سكان الضفة الغربية وقطاع غزة إلى دولتها انتحارا ينهي وجود الكيان ويضعه على مسار الزوال.

 

ولهذا السبب فالكيان الإبادي، لن يوافق على قيام دولة فلسطينية مستقلة اولاً، ولن يجرؤ على ضم السكان والأرض ثانيا، بل سيواصل حرب الإبادة الجماعية ومحاولات التهجير وسرقة وقضم الأراضي شيئاً فشيئا. إنها دولة أزمة وحروب إبادة، وديموقراطيتها الصهيونية منتجة للأزمات والتمييز العنصري، وهذه الحالة التأريخية توجب على قوى وطلائع الشعب الفلسطيني مراجعة برامجها وشعاراتها التقليدية باتجاه وضع برنامج ثوري توحيدي يأخذ هذه المعطيات والمتغيرات بنظر الاعتبار مع الحذر الشديد من مناورات اليمين الفلسطيني السياسية. إن هذا اليمين سيسعى كما هو دأبه إلى الحصول على أي نوع من الفتات المشروط بالتنسيق الأمني وغيره من الكيان الإبادي حتى لو كان بشكل حكم ذاتي أو إدارة ذاتية واستمرار التمسك بجثة اتفاق أوسلو مقابل التسليم بما تبقى بأيدي الفلسطينيين. وفي الواقع لم تبقَ الشيء الكثير عمليا بأيديهم سوى استعدادهم العالي للتضحية والصمود بوجه الحملات الإبادية "الديموقراطية الصهيونية"! 

 

رابط المقالة على مدونة الكاتب:

https://kitabatallami.blogspot.com/2026/10/blog-post_31.html