للذهاب الى صفحة الكاتب   

كلمات دخيلة جديدة أم استعراض لغوي؟

صالح مهدي محمد

 

 

في السنوات الأخيرة، دخلت اللغة سباقا غريبا مع نفسها؛ فكلمات نسمعها تطرق أسماعنا بين فترة وأخرى، تعبر الحدود من لغات بعيدة، وأخرى تستقر في أحاديثنا بعد أن ترتدي لهجتنا المحلية. حتى أصبح المرء يحتاج أحيانا إلى مترجم كي يفهم حديث صديقه المقرّب، لا لأنه يتحدث لغة أجنبية، بل لأنه يتحدث العربية وقد دسّ فيها جرعة زائدة من المصطلحات المستوردة!

 

المشكلة تكمن في أن تتجدد اللغة أو تستقبل مفردات جديدة تفرضها العلوم والتكنولوجيا، فهذه طبيعة اللغات الحية. لكن بعض الكلمات دخلت حياتنا من باب الحاجة، بينما دخل بعضها الآخر من باب الاستعراض. ولم يعد المهم أن تقول شيئا مفهوما، بل أن تصوغه بطريقة تجعل المستمع يظن أنك تعرف أكثر مما تقول.

 

أصبح التريند ضيفا دائما على أحاديثنا، والسينجل وصفا يتقدم على كلمة أعزب، والإنسايت بديلا عن الرؤية والفهم، أما الباك لينك فقد يجد طريقه إلى حديث لا علاقة له بالمواقع الإلكترونية. والمضحك أن بعض مستخدمي هذه المفردات يتعاملون معها كأنها أوسمة علمية؛ يكفي أن ينطق أحدهم بكلمة أجنبية حتى تبدأ الرؤوس بالاهتزاز إعجابا، خشية أن يكشف أصحابها عن جهلهم بالمصطلح.

 

وقد حضرتني مرة صورة ساخرة في اجتماع عائلي، سأل فيه الأب ابنه:

ـ ماذا فعلت اليوم في عملك؟

 

أجاب الابن بثقة:

ـ اشتغلت على تحديث البراند الشخصي، وعملت شوية نتوركينغ، وراجعت بعض الإنسايتس.

 

هز الأب رأسه بإعجاب، ثم التفت إلى الأم:

ـ يبدو أن ابننا صار مديرا كبيرا!

 

سألته الأم:

ـ طيب، هل قبضت راتبك؟

 

أجاب الابن:

ـ لا، المشروع في مرحلة الأوبتمايزيشن.

 

تدخل الأب:

ـ يعني بالعربي، ما اشتغلت شي؟

 

ابتسم الابن:

ـ لا يا أبي، اشتغلت كثيرا، لكن بلغة احترافية!

 

تنهد الأب وقال:

ـ الحمد لله، على الأقل عرفنا أن البطالة عندنا صارت تتكلم لغات!

 

والأطرف أن بعض الناس يضعون المصطلح الأجنبي في منتصف الجملة العربية كما توضع قطعة زينة في صدر الثوب؛ فإن غابت اختل المظهر، وإن سألته عن معناها اكتشفت أن علاقته بها لا تتجاوز طريقة نطقها. قد يحدثك أحدهم عن البراند الشخصي، ثم تعجز عن العثور على علامة مميزة في شخصيته، أو يتحدث عن النتوركينغ بينما لا يعرف كيف يتواصل مع جاره!

 

لقد أصبح لبعض الكلمات مفعول سحري؛ فهي قادرة على تحويل الشخص العادي إلى خبير، والحديث البسيط إلى محاضرة، والجهل إلى وجهة نظر متخصصة. وربما لو سألنا أحد هؤلاء عن معنى المصطلح الذي يستخدمه، لأجابنا بمصطلح آخر أكثر تعقيدا، ثم ثالث، حتى ننسى السؤال الأصلي ونعتذر له عن إزعاجه!

 

لسنا ضد الكلمات الجديدة، ولا ضد تطور اللغة، بل ضد الجهل الذي يرتديها. فالإنسان لا يصبح مثقفا لأنه أتقن نطق مصطلح لا يعرف معناه؛ فبعضهم لا يحتاج إلى تطوير لغته بقدر ما يحتاج إلى تحديث معرفته، قبل أن يضطر إلى الاستعانة بمترجم لشرح أفكاره لنفسه.