للذهاب الى صفحة الكاتب   

قراءة ثيولوجية نقدية: ماهي التوراة وحين تقول الشيء وعكسه، فأيهما نصدق؟

علاء اللامي

كاتب عراقي

 

تعريف التوراة والفرق بينها وبين الكتاب المقدس العبري: لنبدأ بتوضيح الفرق بين بعض المسميات والاصطلاحات: فالتوراة يقصد بها اصطلاحيا أسفار موسى الخمسة وتُعتبر الجزء الأكثر قدسية في التراث اليهودي والتوراة عند المسلمين كتاب مقدس أيضا مثله مثيل الإنجيل ولكن الإسلام ينظر إلى هذه الكتب على أنها محرفة كالآية 46 من سورة النساء التي تقول {مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ}، والآية 78 من سورة آل عمران {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ} والآية 14 من سورة المائدة {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ}. وهذه التحفظات القرآنية يمكن تفهمها في سياق منح الصدقية الكاملة للنص القرآني لكونه النص السماوي الأخير ويستمد صدقيته وتماميته من كونه هذا، فإن لم يفعل ويتحفظ على الكتب المقدسة السالفة له فقد مبرر نزوله بشكل ما.

 

  تضم التوراة (أسفار موسى الخمسة) خمسة كتب هي: التكوين، الخروج، اللاويين، العدد، والتثنية. تحتوي على قصص الخلق، والأنبياء الأوائل، وقصة الخروج من مصر، بالإضافة إلى الوصايا والأحكام الدينية والتشريعية الأساسية.

 

أما الكتاب المقدس العبري ويسمى اختصاراً "تناخ" فهو الكتاب المقدس العبري كاملاً وبضمنه التوراة سالفة الذكر. وكلمة "تناخ" هي اختصار مكون من الحروف الأولى للأقسام الثلاثة التي يتكون منها: التاء توراة، والنون نبوئيم والخاء ختابويم "كتابويم/ كتابات" والألف زائدة للمد.

1-التوراة (توراه) أي الشريعة أو التعليم (أسفار موسى الخمسة).

2-الأنبياء (نبوئيم) وتشمل الأسفار التاريخية وأسفار الأنبياء (مثل يشوع، إشعياء، وإرميا).

3- الكتابات (كيتوبيم/ خيتوبيم) وتشمل الشعر الديني وكتب الحكمة والقصص وتتضمن المزامير (الزبور)، الأمثال، أيوب، نشيد الأنشاد، وراعوث، بالإضافة إلى أسفار تاريخية أخرى.

 

- يتكون التناخ من 24 سفراً مكتوبة بشكل رئيسي بما يسمونها "اللغة العبرية القديمة" وهي ليست إلا لهجة كنعانية فرعية وولم تكن لغة مستقلة كما بينا في دراسة أخرى، مع بعض المقاطع بالآرامية.

 

أما تلمود تعني باللغة العبرية "الدراسة" أو "التعلم" فهو خارج الكتاب المقدس العربي (التناخ). وجذرها في العبرية (ل م د) وهي قريبة من جذر تلميذ (لمذ) العربية وجذرها (ل م ذ ). والذال العربية من بقايا الحروفية الجزيرية القديمة أو مما يسميه بعض الباحثين اللغة السامية الأم (Proto-Semitic)، وبقيت الذال في اللغة الأوغاريتية والعربية، ولكنها اندمجت مع حرف الدال أو الزاي في لغات أخرى من العبرية ضمن ما يعرف بحثيا "الدمج الصوتي" (Phonemic Merger).

 

 وينقسم التلمود إلى جزئين رئيسيين:

-المِشْنَا: وتعني "المُدارسة" أو "التكرار"، وهي النص الأساسي للتلمود. وتضم القوانين والشرائع الشفهية التي تناقلها الحاخامات شفاهةً ثم دُوّنت خوفاً من ضياعها (في القرن الثاني الميلادي). وهو يختلف تماما عن المدراش (المدرسة) في البنية والأسلوب والهدف. فالمنشا تعنى بمتن القوانين المباشر والمدراش هو التفسير المرتبط بالنص التوراتي كمنهج تفسيري يربط الحكم أو القصة بآية محددة من التوراة خطوة بخطوة.

 

-الْجَمَارَا: وتعني "الإكمال" أو "الاستيعاب"، وهي عبارة عن تعليقات وشروح ومناقشات حاخامية موسعة جداً حول نص "المشنا".

 

لمزيد من التوضيح: إذا كانت التوراة هي الكتاب العبري المقدس، فإن التلمود هو "الموسوعة القانونية والقضائية الضخمة" وما يشبه كتب التفسير والفقه في الإسلام التي تشرح هذا الدستور بالتفصيل وتوضح كيفية تطبيقه في كل صغيرة وكبيرة من الحياة اليومية.

 

التوراة في ضوء العلوم الحديثة:

لماذا طرد العالم الدنماركي تومبسون من التدريس في الجامعات الأميركية بعد أن أصدر كتابه "التأريخ القديم للشعب الإسرائيلي"؟ ولماذا قال الشاعر الصهيوني نعومي شامير عن أساطير التوراة: وحتى على افتراض أن الاحداث كانت مجرد أساطير، فإنني أعتبر أن هذه الأساطير أكثر مصداقية وأكثر حقيقية من جميع حقائق العالم!). إن التشكيك بتاريخية التوراة ليس حكرا على الباحثين العرب، بل كررها عدد من الباحثين الأجانب وفي مقدمتهم الباحث الدنماركي المتخصص في الكتاب المقدس والتاريخ القديم توماس ل. تومبسون. لقد فصل هذا الباحث والأستاذ الجامعي من عمله كأستاذ في إحدى الجامعات الأميركية بعد نشره كتاب "التأريخ القديم للشعب الإسرائيلي" في 1992، والذي دحض فيه الكثير من الثوابت التوراتية الخرافية بشكل علمي. وبعد فصله من عمله في أميركا احتضنته جامعة كوبنهاغن الدنماركية فواصل أبحاثه. تومبسون يؤكد في كتاباته هذه الخلاصة المهمة: (إننا نسيء فهم التوراة إذا قرأناها كتأريخ. وإن التوراة تصبح لا معنى لها إذا قرأناها ككتاب تأريخي). وتلتقي النتائج التي توصل إليها تومبسون مع كتابات وأبحاث الباحث الكندي جون فان سيترز، صاحب كتاب ابراهيم في العُرف والتأريخ الصادر في 1975، وجون هايس وجَيْ ماكسويل مِلر مُعِدّي كتاب "تأريخ اسرائيل ويهودا" الصادر في 1977، وهو كتاب كبير ومهم يحتوي على مقالات بقلم عدد من الباحثين الأكثر شباباً. ويمكن الإشارة الى كتاب إسرائيل فنكلشتاين آركيولوجيا الاستيطان الإسرائيلي، الذي يطرح نظرة جديدة حول التأريخ الإسرائيلي، تختلف تماماً عن "التأريخ" التوراتي، ويقدم أدلة على أن نظرية "الغزو" الإسرائيلي لم تعد تحتفظ بقوتها. ولعل أكثر هذه الكتابات أهمية، تقرير زئيف هرتسوغ تفكيك أسوار أريحا الذي نشر في صحيفة هاآرتس الإسرائيلية في نهاية عام 1999، وأثبت فيه بطلان الكثير من الروايات التوراتية المسلّمة بصحتها. والأهم من هذا كله، انه قدم أدلة آثارية لا يأتيها الباطل على أن يهوه، إله إسرائيل، كانت له زوجة، اسمها أشيرة وهي، بالمناسبة، إلهة كنعانية أيضاً. وفي هذا المجرى أيضاً يصب كتاب توماس تومبسون الأخير "الكتاب المقدس في التأريخ: كيف يخلق الكتّاب ماضياً".  قراءة في "الكتاب المقدس في التأريخ" مقالة لعلي الشوك في جريدة الحياة/ العدد 13916في 22/4/2001)

 

إن "لا تأريخية" التوراة وأسطورية أغلب محتوياته ثابتة لا جدال فيها، حتى لدى علماء وباحثين إسرائيليين يحترمون العلم. ولكن صهاينة اليوم المؤدلجين والمتأدلجِين يعيشون مأزقا معنويا وعلميا عميقا في مواجهة الحقيقة التي يعرفونها، ولكنهم يرفضون الاعتراف بها بعد أن أصبحت هذه الأساطير جزءا وطيدا من الخطاب الصهيوني السياسي والدعائي. بل أن بعضهم يعترف أن الأسطورة عنده أهم من الحقيقة. وقد عبر عن رأي هذا الفريق على سبيل المثال الشاعر الصهيوني نعومي شامير حين كتب (لست خبيرا في الآثار... لكن لست أدري ماذا يهمني، كأسرائيلي الآن، إذا كان هذا الحدث او ذاك حصل او لم يحصل منذ مئات او آلاف السنين...وحتى على افتراض أن الاحداث كانت مجرد أساطير، فإنني أعتبر أن هذه الأساطير أكثر مصداقية وأكثر حقيقية من جميع حقائق العالم! / تقرير إخباري في جريدة الاتحاد 8/3/2000). فإي عناد وكره وعداء للحقيقة هذا الذي يحمله الصهاينة؟

 

ومن الأدلة على تأخر كتابة التوراة تكرار عبارة "إلى هذا اليوم" أكثر من مائة مرة كما يسجل الكاتب الفلسطيني يوسف سامي اليوسف وهي عبارة تعني أن الحادثة وقعت في زمن مضى وليس في زمن كتابة السفر التوراتي. ففي سفر التثنية 34- 6 وعن موت موسى نقرأ (ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم ) وهذا يعني أن الكتابة قد تمت بعد وفاة موسى.

 

ومن التناقضات المثيرة في التوراة ما يلي:

*تتحدث التوراة في الإصحاح 31 –سفر العدد عن أن بني إسرائيل أبادوا شعب مديان (شعب بدوي من الرعاة كان يقيم في صحراء سيناء) بعدما سبوا نساءهم وأطفالهم" وأحرقوا جميع مدنهم ومساكنهم وجميع حصونهم بالنار (ثم عادا الى موسى المقيم في وادي عربة، فتلقاهم موسى قائلا "فَالآنَ اقْتُلُوا كُلَّ ذَكَرٍ مِنَ الأَطْفَالِ. وَكُلَّ امْرَأَةٍ عَرَفَتْ رَجُلاً بِمُضَاجَعَةِ ذَكَرٍ اقْتُلُوهَا. لكِنْ جَمِيعُ الأَطْفَالِ مِنَ النِّسَاءِ اللَّوَاتِي لَمْ يَعْرِفْنَ مُضَاجَعَةَ ذَكَرٍ أَبْقُوهُنَّ لَكُمْ حَيَّاتٍ. التوراة - سفر العدد 31- 17 و 18). وهذا يعني أن إبادة شعب مديان كانت تامة بحيث لم يبق منهم أحد. ولكن الإصحاحين السادس والثامن من سفر القضاة يتحدثان عن حروب طويلة دارت بين العبرانيين وشعب مديان بعد موت موسى وإن بني إسرائيل ذلت أي هزمت في بعض هذه الحروب من قبل المديانيين (فَذَلَّ إِسْرَائِيلُ جِدًّا مِنْ قِبَلِ الْمِدْيَانِيِّينَ. وَصَرَخَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى الرَّبِّ./ التوراة – سفر القضاة 6-6) وهذا يعني أن شعب مديان لم يخضع للإبادة فأي الخبرين نصدق؟

 

الصورة المرفقة جذاذة من صفحة من أقدم ترجمة عربية مكتوبة بالحروف العبرية التي هي في الحقيقة "الخط المربع" المشتق تاريخياً من الخط الآرامي، وهذه الطريقة في كتابة النص العربي بهذه الحروف الآرامية تعرف لدى المتخصصين باللغة "اليهودية العربية". وهي ترجمة متكاملة وموثقة تاريخياً للتوراة (أسفار موسى الخمسة والعهد القديم) هي ترجمة العالم والربّان اليهودي سعيد الفيومي (سعديا غاوون) في القرن العاشر الميلادي (القرن الرابع الهجري).

 

*رابط يحيل إلى النص الكامل للمقالة مع الهوامش والصور في مدونة الكاتب:

https://kitabatallami.blogspot.com/2026/11/blog-post.html