
في رحاب الكلمة
د. عامر ممدوح
كاتب واكاديمي
ليست الكلمة هي ذلك التركيب المحدود من الحروف الذي يضمه تركيبها أو التشكيل المعبر عن مظهرها، كما يتبادر إلى الأذهان.
المسألة - والحق يقال - أعمق من ذلك!
فهذا التشكل من الأحرف عادة ما يكون متخماً بالدلالات، ومحملاً بالرسائل، ومنطوياً على حالة معينة، واحساس خاص، وشعوراً محدداً أو غير محدد.
الكلمة .. الكتابة.. هي اختزال جميل وفريد للحياة برمتها في حيزٍ ما أو حدود لا تعرف الحدود.. ولا القيود.
وللكلمة وقع ليس بالهين، فهي تلقي بظلالها على مساراتنا وترافقنا في دروبنا وممارستنا إياها دليل على استمرارنا.
والكلمة إبداع، فهي تتجلي وتتجمل عاكسة ثقافة المرء، وعلومه ومعارفه، وفي ذلك تتباين المستويات، وتتعدد الأساليب، وتختلف الغايات، وتفترق النهايات، فلكل حاله وحالته وقيمته ومستواه وأثره.
فالكلمة قاموس قائلها وكاتبها، إذ قد تعبر عن ثراء واسع عريض وعميق وبالغ التوهج، أو تبدو هزيلة يكاد يقتلها الضعف والاضمحلال وفتات التعبير وقليل الجمال وباهت الصياغات، فتعلي مكانة الأول وتهبط بالثاني المواقع!
والكلمة سلاح ذو حدين، بريئة الأصل، فقد تكون حمامة سلام، أو بيان حرب وانذار، موجهة بحسب ما يبتغيه صاحبها، وهي إما أن تحلق به ويحلق بها، وإما أن تهوي به ويهوي بها.
والكلمة ركيزة وأساس، فلا مشروع يبنى إلا عليها، فهي ركنها وأداتها والمعبرة عنها وجواز المرور بين الثقافات والمجتمعات.
والكلمة موقف لا ستار، فهي اشارة ولافتة تدل على قوة الالتزام وشدّة التحمل وعظيم التضحيات، وليس باب لاختباء الخاطئين ولا مبرر يختفي في وهمه المبطلين!
والكلمة غرسٌ، فهي أول البذر، وهي مسك الختام!
