
الموازنة السنوية العراقية للعام 2027- أضطرارية وتصحيحية!
عبد الجبار نوري
كاتب وباحث وناقد أدب
توطئة: في بحثي عن الموازنات العراقية وجدتُ فرقا مفصليا بين عهد التأسيس الملكي في 1921 موازنات حقيفقية وواقعية ليس بالضرورة أن تكون من مجموعة أرقام لأعلام دعائية، بل كانت مرأة للوضع الأنثروبولوجي الجمعي القائم بالرغم من عدم معرفة (النفط) الكارثة التي أصبحتْ لاحقا من مصادر الطاقة ، حينها أعتمدتْ المملكة العراقية على موارد ما تجود بهِ أرض السواد من الزراعة والضرائب فقط، وعند الحاجز التأريخي المفصلي 2003 أنتقل العراق من دولة شبه منتجة إلى دولة أستهلاكية وأتكالية تعاني مرارة الصراع الطبقي بفعل تطبيق السياسة الديماغوجية الفجة، ولآن السياسة: هي علم المراوغة والمكر للحصول على مكاسب، الرابح فيها هم حيتان اللعبة القذرة، والخاسر هم جموع الشعب، لذا يمكن القول بأن السياسة حرفة والوطن رسالة، والسياسة دهاء والوطنية أخلاص، والسياسة دراسة والوطنية فطرة، والسياسة أجتهاد والوطنية جهاد، والسياسة تطوع والوطنية واجب، وأخيراً السياسة منصب والوطنية نصُبْ تذكاري، وقال فيها: عظماء وقادة أقوالٌ مأثورة:* السياسة فن السفالة الأنيقة (أنيس منصور)* السياسة فن الخداع تجد لها ميداناً واسعاً في العقول الضعيفة (فولتير)* في السياسة أذا كنت لا تستطيع أقناعهم فحاول أن تسبب لهم الأرتباك (ترومان)* السياسة فن الخباثة يكون فيها من الضروري الضرب تحت الحزام (شارل ديغول).
الموضوع: الموازنة هي التخطيط للأستخدام الأمثل للطاقات المادية والبشرية، وتنمية أكبر قدرة من الموارد عن طريق العمل في تخطيطها وأستخداماتها لفتراتٍ مالية مقبلة، وبتعبير أقتصادي أدق: ترقى لتعبير رقمي (كمي وقيمي) عن الخطة المستعملة لفترةٍ مالية مقبلة وهي بذلك تحقق هدفين رئيسيين هما (التخطيط والتنسيق– والرقابة وتقويم الأداء)، وهي تلبية وطنية ضرورية لأستحقاقات واجبة التنفيذ عبر متطلبات بناء البلد، وتعني من الناحية النظرية أن تتضمن كافة المعاملات المالية للحكومة في أجمالي الأيرادات والمبالغ التي تتم أنفاقها والديون التي يجب سدادها، أما الميزانية تعني: توضيح المركز المالي للمشروع وحساب فترة سابقة والأرقام فيها أستخدمت فعلا (صحيفة طريق الشعب الغراء – مارس 2026).
أن حجم مشروع الموازنة العراقية (217) ترليون دينار عراقي أي (166) مليار دولار أمريكي، تبدو بالرغم من عجزها إنها الأعلى في تأريخ العراق، أنفجارية بالأرقام أعلاه للعام 2027 تعادل وتوازي ميزانيات 10 دول مجاورة حيث تساوي ضعفي موازنة أيران وتساوي 8 مرات ميزانية الأردن وبنحو ضغف ميزانية الكويت وتساوي ثلاثة أضعاف موازنة سلطنة عُمان ونحو 12 ضعفاً لموازنة البحرين وكذلك تجاوزت ميزانية مصر التي بلغتْ مئة مليار دولار لهذا العام، بينما تعادل ضعفي ميزانية ليبيا المضطربة أمنياً والغنية نفطا، وبذلك يعتبر العراق ثاني أكبر منتج في منطقة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، كل هذا الغنى في العراق (هو) رهين عبودية صندوق النقد الدولي ويشكو من عجز مالي يقدر بأكثر من 30 ترليون دينار، مع متلازمة أنخفاض مستويات التعليم والصحة وتفشي البطالة والمحسوبية في مؤسسات الدولة، وتصنف هذه الموازنة {أنها موازنة أضطرارية وتصحيحية} كما يتوضح في سيمياء العنوان تسعى حكومة الزيدي من خلالها تفادي التراكمات المالية وسد الفجوة النا جمة عن تعذر أقرار موازنة 2026.
إن عجز موازنة 2027 أكثر من 30 ترليون دينار عراقي (بتقدير دقيق (553, 30) ترليون دينار، بواقع 45 ترليون دينار (أستيرادات) مقابل 75 ترليون دينار (أنفاق) مصروفات الحكومة في نفقاتها التي تتجاوز الأيرادات بأكثر من ثلاثين ترليون دينار، والعجز المالي في موازنة هذه السنة يفاقم الضغوطات المالية في العراق والتي هي: الرواتب والرعاية الأجتماعية حيث تشكل 78% من النفقات، علما أن الرواتب والرعاية الأجتماعية تستحوذان على الحصة الأكبر، وهذا العجز المالي يعود إلى أنعدام هندسة الأنفاق الذي يخفض تطوير الأيرادات .
وأحدث أخبارها أمس 29-10- 2026 إنها على طاولة ألزيدي رئيس مجلس الوزراء، وتبين لي: إن موازنة 2027 تمر حاليا بمراحل نقاش ومراجعة مكثفة تناقش {أختلافات سياسية ومالية وخاصة في النسب والتخصيصات} وحسنا فعل الزيدي في أنهاء عقود 59 مستشارا حكوميا خطوة نحو ترشيد النفقات والأستعاضة بنواب يستغنون عن نفقات المستشارين، والبرلمان على أهبة الأستعداد يستبق وصولها بمناقشات مستفيضة.
لماذا العجز؟ ولماذا الأستدانة !
وبعد مناكفاتٍ وصراعاتٍ مريرةٍ وجدالٍ دام أكثر من مئة يوم من مدة حكم الزيدي رئيس مجلس الوزراء الذي واعد الشعب العراقي في تقديم موازنة 2027 في موعدها الدستوري نهاية ديسمبر من هذا العام، ولكن للأسف إن جميع الكتل السياسية تنظر أليها كهدف أنتخابي وليس مشروعا وطنيا يهم الأجيال القادمة، وهي الحقيقة حين تستغل الموازنة في أدارة ماكنة المصالح الطائفية والأثنية والمناطقية، وأرتياد الكافيتريا وتتجلبب برداء النرجسية الذاتية وبيافطة كُتب عليها (لو ألعب لوأخرب الملعب) حيث تتشابك الكبوة والصحوة والعتمة والضوء والجمود والخلخلة والسكون والحركة والحب والكراهية في أجترار فكري سمج ومقرف وفج ومزج لتلك النرجسية مع طفيليات وفايروسات الزمن المرْ بحصيلة أكثر وجعاً حين تعلو رايات المصالح الحزبية والهوياتية الشعبوية.
- الأرتهان للأستيراد، الأقتصاد الريعي، التلاعب بمصير الأحتياط النقدي، غياب الضوابط الضريبية والكمركية على البضائع المستوردة، عدم خضوع المنافذ الحدودية وبعض المطارات إلى سلطة الحكومة المركزية، قلة مساهمة القطاعين الصناعي والزراعي في عملية التنمية، ربما تكون نسبة مساهمة الصناعة 1% والزراعة 3%، غياب العامل الأستثماري في البلاد عموماُ، البيروقراطية والمحسوبية والمنسوبية والفساد الأداري والمالي، أرتفاع مؤشرات التضخم النقدي بسبب الكساد الأقتصادي والبطالة والفقر، الأرث الثقيل من النظام البائد في أقتصاد منهك غارق في حروب عبثية ومديونيات ثقيلة للجارة الكويت مما أوقع العراق تحت البند السابع ذلك الثقب الأسود الذي أبتلع المليارات من أموال الشعب العراقي الذي لا ناقة له ولا جمل في تلك الحروب العبثية، وغياب الولاء الوطني وتجيرهُ للولاء الكتلوي والفئوي والحزبي الذي كان ضحيته الأقتصاد العراقي الذي يشكل ديمومة من الأزمات على المواطن العراقي.
- ودخل العراق في النفق المظلم للصندوق النقد الدولي، والعجز في الميزانية هو الذي دفع العراق لأحضان صندوق النقد الدولي والرضوخ لشروطها التعسفية والموجعة وافق الصندوق على أقراض العراق مبلغ 482 مليون دولارساريا السداد للعام 2030 .
- مما أضطر العراق إلى اللجوء لصندوق النقد الدولي أو ما أسميه الصندوق الأسود مجازاً الذي جعل أرتهان أجيال المستقبل لديون ثقيلة فاتوراتها عجز مالي يقدر بأكثر من 64 ترليون دينار عراقي، وهنا تسكب العبرات حين يأتي ذكر صندوق النقد الدولي الذي يعتبر ذراع الرأسمالية الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية في وضع الدول الغارقة في الأزمات المالية في مصيدة هذا الصندوق الأسود، وأجزم بأنهُ مصيدة للدول المبتلية بأزمات مالية يكون أشرس المؤسسات الأقتصادية العالمية الذي هو (فخ) لتطبيق السياسات، بأستغلاله خيبات الدول العاثرة بازمات أقتصادية ليقرضها أموالا للأنقاذ كما حدثت مع زامبيا في 2002 القرض مقابل وضع التعريفة الكمركية على المواد الزراعية وأغراق السوق بالمواد والسلع الزراعية المستوردة مما أدى إلى ترك الزراعة والهجرة والبطالة والفقر، وحدثت مع الأرجنتين القرض مقابل ترسيمة كمركية على القمح مما أدى إلى أتجاه الفلاحين لزراعة المخدرات بدل القمح (كتاب الأغتيال الأقتصادي للأمم لجون ديكنز).
-أقتصاد أحادي ريعي في الأعتماد على النفط بنسبة96%، يعتبر العراق دولة ريعية منذ تأسيسه في عشربنات القرن الماضي وقد تبدو كلمة الريعية تبشر بالنماء والأزدهار ولكنهُا مسكناً مؤقتاً في تلبية الحكومة لمتطلبات الناس بسهولة، فمعطيات الفجة للريعية وضعتْ العراق في (مصيدة) الديون لتصبح دولة أستهلاكية.
- والأقتصاد العراقي أسير سياسات الدول والأمر الخطير الواضح اليوم هو (سياسة الأغراق) للسوق العراقية بكمٍ هائل من المنتجات من دول الجوار والعالم (أيران بالدرجة الأولى وتركيا بعدها ودول الخليج ومن الصين)، وليس بالضروري أن تكون البضاعة جيدة المهم هنا الربح فقط، وبلغت نسبة المنتجات المستوردة 96 % أنها نسبة خطيرة فعلاً بجعل الأقتصاد العراقي مر.
ملاحظات نقدية لموازنة 2027
-الموازنة تجاوزت الموعد الدستوري 15-10 -2026 في أرسالها للبرلمان العراقي.
- خضعت للمناقشة كمسودة في مجلس الوزراء بغياب الحسابات الختامية التي تخص الموازنة السابقة فهي مخالفة دستورية ( رائد فهمي) .
- إن أغلب الكتل السياسية والأحزاب تنظر أليها كهدف أنتخابي وليس مشروعا يهم مستقبل الأجيال.
- الدولة العراقية تستدين لكي تستهلك لا لتبني أو تستثمر، ولذا أتجه الزيدي إلى التصحيحية لموازنة 2027 كما أشرتُ سيمياء عنوان البحث في محاولة جادة معالجة سوء الأنفاق في الموازنة.
كاتب وباحث وناقد أدب
تشرين ثاني 2026.
