للذهاب الى صفحة الكاتب   

حوكمة المخيمات الفلسطينية في لبنان.. أمن معجّل وحقوق مؤجلة

فتحي كليب

عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين

 

أعلنت لجنة الحوار اللبناني - الفلسطيني قبل ايام، عن مشروع أطلقت عليه اسم «الخطة الوطنية لحوكمة مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان»، بهدف «تنظيم أوضاع المخيمات الأمنية والإدارية والخدماتية». غير أن ما تسرّب من معلومات عن مضمون الخطة، يثير جملة من التساؤلات حول أهداف هذه الخطة وامكانية ومآلاتها، خاصة وانها لم تناقش حتى اللحظة مع اي طرف فلسطيني.

ان القراءة الاولية لعناوين الخطة تؤكد، أن ان الخطة تمت صياغتهابخلفيات تعيد إنتاج المقاربة ذاتها في التعامل مع الوجود الفلسطيني. لذلك، سنطرح مجموعة من العناوين الجوهرية التي تؤشر على اتساع الفجوة بين حق لبنان في فرض سيادته على ارضه، وحق اللاجئ الفلسطيني بأن يتمتع بحياة كريمة.. 

1. بعد أكثر من سبعة عقود على اللجوء الفلسطيني إلى لبنان، لم تعد المقاربة التقليدية التي اعتمدتها الدولة اللبنانية قابلة للتبرير باعتبارها استجابة مؤقتة لظروف استثنائية. فقد أثبتت التجربة أن استمرار السياسات والأدوات ذاتها لم يؤد إلى معالجة الأزمة، بل ساهم في تعميقها وتراكم تداعياتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وهذا الواقع يفرض الانتقال من إدارة الملف بالوسائل التقليدية إلى مراجعة مسؤولة لطبيعة العلاقة مع اللاجئين الفلسطينيين.

2. أظهرت التجربة التاريخية أن إخضاع الوجود الفلسطيني لمنظومة واسعة من القيود القانونية والإدارية لم ينتج استقرارا، بل كرس الهشاشة والتهميش، وأضعف قدرة المجتمع الفلسطيني على تلبية احتياجاته الأساسية. كما أن استمرار التعامل مع اللاجئين من منظور أمني وسياسي ضيق يحجب البعد الإنساني لقضيتهم، ويحول دون رؤية واقعهم باعتباره مسؤولية تتطلب معالجة متكاملة. لذلك، تبرز ضرورة إعادة تعريف العلاقة اللبنانية الفلسطينية على أساس الاعتراف بإنسانية اللاجئين وحقوقهم وخصوصية قضيتهم، في إطار احترام القوانين والأنظمة اللبنانية.

3. لا يجب تقديم السيادة اللبنانية والمسؤولية الإنسانية باعتبارهما مسألتين متعارضتين. فحماية حقوق اللاجئين لا تعني المساس بسيادة لبنان أو خصوصيته الوطنية، كما أن رفض التوطين لا يبرر حرمان الفلسطينيين من حقوقهم الأساسية. المطلوب صياغة معادلة متوازنة تحترم مصالح لبنان الوطنية، وتضمن للاجئين الحد الأدنى من الحقوق الإنسانية والمدنية والاجتماعية والاقتصادية، وتفصل بوضوح بين هذه الحقوق وبين حقوقهم الوطنية، وفي مقدمتها حق العودة. وهو حق لا ينتقص من الحقوق اليومية للاجئين، بل إن صون كرامتهم وهويتهم وتعزيز صمودهم يشكل جزءا من التمسك به، وهو مسؤولية فلسطينية ومصلحة لبنانية مشتركة.

4. ينبغي ألا يحصر التعامل مع المخيمات بالاعتبارات الأمنية، فهي ليست مجرد تجمعات سكانية أو مساحات جغرافية، بل مجتمعات قائمة لها مؤسساتها واحتياجاتها ومشكلاتها وخصوصياتها. ومن ثم، يتعين إدراج قضاياها ضمن السياسات العامة، والعمل على معالجة الفقر والبطالة والاكتظاظ وتراجع الخدمات الصحية والتربوية والاجتماعية وضيق فرص العمل. فهذه المشكلات لا تقتصر آثارها على الجانب المعيشي، بل تؤثر مباشرة في الأمن الاجتماعي والاستقرار. وأي استراتيجية أمنية لا تترافق مع معالجة أسباب الهشاشة والتهميش ستبقى محدودة النتائج.

5. تقتضي المعالجة المستدامة بناء شراكة لبنانية فلسطينية، تشارك فيها الدولة والمرجعيات الفلسطينية والفصائل والقوى الشعبية ومؤسسات المجتمع المدني. فلا يمكن وضع خطط قابلة للتنفيذ من دون إشراك الفلسطينيين في تحديد الأولويات وصياغة الحلول ومتابعتها، كما لا يجوز أن تتحول الشراكة إلى ذريعة للتنصل من مسؤولية الدولة اللبنانية. فالدولة تبقى مسؤولة عن توفير الإطار القانوني والمؤسساتي الناظم للحياة العامة، وعن ضمان تطبيق القوانين وحماية الحقوق.

6. يزيد غياب مرجعية فلسطينية موحدة للتواصل مع الدولة من تعقيد العلاقة وتشتت المسؤوليات. لذلك، يشكل توحيد الموقف الفلسطيني وتطوير إطار تمثيلي ومؤسساتي مصلحة مشتركة، تسمح بتحديد الأدوار والالتزامات وبناء حوار مستمر. لكن ليس من المنطقي تحميل الجانب الفلسطيني وحده مسؤولية غياب التوافق بسبب انقساماته، في حين تشهد الساحة اللبنانية بدورها انقسامات وتباينات سياسية. والمطلوب معالجة هذه الانقسامات على الجانبين، والتوافق على رؤية لبنانية واضحة ومستقرة تجاه اللاجئين.

7. ينبغي أن تتجاوز السياسة الرسمية حدود المخيمات، إذ يعيش قسم واسع من اللاجئين الفلسطينيين خارجها، وتختلف ظروفهم القانونية والاجتماعية والمعيشية. ومن هنا، لا يمكن بناء سياسة وطنية شاملة إذا بقيت محصورة بإطار جغرافي وإداري لا يعكس واقع الوجود الفلسطيني بكل مكوناته. وهذا يستدعي مراجعة تشريعية وإدارية تعالج التعقيدات التي تواجه اللاجئين، وتسهل حصولهم على الوثائق اللازمة، وتضمن أهليتهم القانونية وقدرتهم على ممارسة حقوقهم ضمن إطار واضح يوازن بين حقوقهم ومصالح الدولة اللبنانية.

8. تبقى حماية وكالة الأونروا واستمرار خدماتها وولايتها مسؤولية مشتركة، لا تقتصر على الجانب الفلسطيني. ففي ظل ما تتعرض له الوكالة من استهداف سياسي وضغوط مالية ومؤسساتية، تبرز الحاجة إلى موقف لبناني فلسطيني موحد يدافع عن دورها، ويرفض نقل أعبائها ومسؤولياتها إلى لبنان أو إلى اللاجئين، ويحافظ على دورها وعلى دلالتها بوصفها شاهدا على استمرار قضية اللجوء ومسؤولية المجتمع الدولي تجاهها، إلى حين التوصل إلى حل عادل.

9. إن المطلوب اليوم ليس الاكتفاء بإدارة الأزمة أو تدوير مشكلاتها، بل الانتقال إلى مقاربة جديدة تقوم على الشراكة والمسؤولية المتبادلة، وتجمع بين احترام سيادة لبنان وخصوصيته، وضمان الحقوق الأساسية للاجئين، وصون هويتهم الوطنية وحقهم في العودة. فاستمرار السياسات القديمة لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة، أما بناء علاقة لبنانية فلسطينية متوازنة ومستدامة فيشكل مصلحة مشتركة، ويفتح الطريق أمام معالجة أكثر جدية وعدالة لهذا الملف.

10. شكلت وثيقة الرؤية التي جرى التوصل إليها عام 2017، بمشاركة عدد من القوى السياسية اللبنانية وبرعاية لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني، خطوة متقدمة في مقاربة الوجود الفلسطيني في لبنان، وعكست تطورا في النظرة اللبنانية إلى هذا الوجود. غير أن هذه الوثيقة، وعلى الرغم مما تضمنته من مقاربات وتوافقات مهمة، لم تترجم إلى قوانين وتشريعات أو سياسات وإجراءات عملية وآليات مؤسساتية للعمل المشترك، وذلك بفعل اعتبارات وخلافات داخلية لبنانية حالت دون الانتقال بها من مستوى التوافق السياسي إلى مستوى التطبيق.

في ضوء كل ما سبق، يبقى السؤال الأساسي: هل تمتلك الدولة اللبنانية الإرادة السياسية لمراجعة تجربتها التاريخية في التعامل مع اللاجئين الفلسطينيين، والاعتراف بأن السياسات التي اعتمدتها على مدى عقود لم تنجح في معالجة جذور المشكلة، بل ساهمت في استمرارها وتعميقها، وهذا امر ينطبق على الفلسطينيين ايضا، بكافة تياراتهم؟

فالواقع الفلسطيني واللبناني والإقليمي تغير بصورة كبيرة،بينما السياسات الرسمية اللبنانية تجاه اللاجئين لا زالت على حالها. لذلك، فاللحظة الراهنة تشكل فرصة لإعادة تأسيس العلاقة اللبنانية الفلسطينية على قاعدة جديدة، عنوانها: سيادة لبنان واحترام قوانينه، وكرامة الفلسطيني وصون حقوقه الإنسانية، والتمسك المشترك بحق العودة ورفض التوطين، وبناء أمن اجتماعي مستدام يحمي المجتمعين اللبناني والفلسطيني.

إن توسيع دائرة الثقة المتبادلة، وتوفير الضمانات التي تطمئن الفلسطيني إلى جدية الدولة اللبنانية في معالجة قضاياه، من شأنهما أن يبعثا برسائل إيجابية تفتح آفاقا جديدة للحوار والتفاهم، وتساهم في تضييق الفجوة بين رؤيتي الطرفين. فالعلاقة المستقرة لا تُبنى على تكريس الخوف، بل على الشراكة والعدالة، بما يعزز الاستقرار اللبناني، ويحفظ الكرامة الفلسطينية.