للذهاب الى صفحة الكاتب   

الاشوريون في التاريخ: الحلقة 44- الحضارة الآشورية

يعكوب ابونا

 

المقدمة

تُعد الحضارة الآشورية من الحضارات البارزة التي نشأت في بلاد النهرين، وأسهمت في تشكيل التاريخ السياسي والثقافي للشرق الأدنى. وقد ارتبط ظهورها بمدينة آشور الواقعة على غرب نهر دجلة في شمال العراق.

ثم تطورت عبر قرون طويلة من مركز حضري وتجاري إلى مملكة إقليمية، وصولًا إلى إمبراطورية واسعة النفوذ في العصر الآشوري الحديث

لم تقتصر أهمية الحضارة الآشورية على التوسع العسكري والسياسي، بل شملت جوانب متعددة من الحياة الإنسانية، منها الإدارة والاقتصاد والتجارة والقانون والديانة والعمارة والفنون والكتابة والأدب والمعرفة العلمية.

  تتيح النصوص المسمارية والآثار المكتشفة في المدن الآشورية إعادة بناء جانب كبير من تاريخ هذه الحضارة .

وتنبع أهمية دراسة الحضارة الآشورية من أنها تقدم نموذجًا تاريخيًا لتطور الدولة في بلاد النهرين، وتوضح طبيعة العلاقات بين السلطة السياسية والمؤسسات الدينية والاقتصادية والعسكرية، فضلًا عن التفاعل الثقافي بين آشور والشعوب المجاورة.

 

المبحث الأول: نشأة الحضارة الآشورية

أولًا: الموقع الجغرافي

نشأت آشور في شمال بلاد النهرين، وتمحور تاريخها المبكر حول مدينة آشور الواقعة على الضفة الغربية لنهر دجلة، في موقع مدينة الشرقاط الحالية بالعراق

وقد ساعد الموقع الجغرافي لآشور على اتصالها بمناطق متعددة، منها جنوب بلاد الرافدين والأناضول وبلاد الشام والمناطق الجبلية شرقي دجلة.

ولم يكن هذا الموقع مجرد عامل جغرافي، بل كان له أثر واضح في النشاط التجاري وفي العلاقات السياسية والثقافية التي أقامتها آشور مع جيرانها.

ومع توسع الدولة الآشورية، أصبحت مدن مثل كالح ونينوى ودور شروكين مراكز سياسية وإدارية مهمة، وأسهمت في تنظيم السلطة وتطوير العمارة الملكية

 

ثانيًا: بدايات الحضارة الآشورية

 ليس هناك لحد اليوم ما يمكن تحديد بداية الحضارة الآشورية؛ إذ ينبغي التمييز بين نشأة مدينة آشور، وظهور مؤسسات سياسية محلية، وبروز الثقافة الآشورية المتميزة في النصوص والآثار.

وتشير الدراسات الحديثة إلى أن الأدلة المتوافرة عن مدينة آشور في الألف الثالث قبل الميلاد أقل وفرة من الأدلة المتعلقة بالفترات اللاحقة. أما العصر الآشوري القديم، فيمثل مرحلة تتضح فيها بصورة أكبر ملامح المجتمع الآشوري، خصوصًا من خلال الوثائق التجارية المكتشفة في الأناضول.

وقد ساعدت الكتابة المسمارية على توثيق العلاقات التجارية والاجتماعية، وأصبحت مصدرًا أساسيًا لدراسة حياة الأفراد والمؤسسات في ذلك العصر.

 

المبحث الثاني: مراحل تطور الحضارة الآشورية

يقسم الباحثون تاريخ آشور عادةً إلى ثلاثة عصور رئيسية: العصر الآشوري القديم، والعصر الآشوري الوسيط، والعصر الآشوري الحديث. وتُدرس الفترات الانتقالية وما بعد الإمبراطورية بصورة مستقلة في عدد من المراجع.

 

أولًا: العصر الآشوري القديم

التاريخ التقريبي: القرنان العشرون إلى الثامن عشر قبل الميلاد، ضمن التأريخ التقليدي للمرحلة الأساسية من هذا العصر.

برزت مدينة آشور خلال هذه المرحلة مركزًا تجاريًا مهمًا. وأقام التجار الآشوريون علاقات واسعة مع مدن الأناضول، وأنشؤوا مراكز تجارية عُرفت في النصوص الأكادية باسم كاروم .

وقد أتاحت الألواح المسمارية المكتشفة في كانيش، المعروفة حاليًا باسم كول تبه في تركيا، دراسة جوانب متعددة من الحياة الاقتصادية والاجتماعية .

وتشمل هذه الوثائق الرسائل الشخصية والعقود التجارية وسجلات القروض والشراكات والمنازعات القانونية. ولذلك يُعد العصر الآشوري القديم من أغنى الفترات في مجال دراسة الحياة اليومية للتجار وأسرهم.

كما تكشف الوثائق عن وجود علاقات أسرية وتجارية بين الآشوريين وسكان الأناضول، بما يوضح أن التجارة لم تكن مجرد تبادل للسلع، بل كانت وسيلة للتواصل الاجتماعي والثقافي أيضًا.

 

ثانيًا: المرحلة الانتقالية

تمتد المرحلة الانتقالية تقريبًا من القرن السابع عشر إلى القرن الخامس عشر قبل الميلاد، مع اختلافات في تحديد حدودها الزمنية تبعًا للتأريخ المعتمد .

وتتميز هذه الفترة بقلة الأدلة المتاحة مقارنةً ببعض مراحل العصر الآشوري القديم والعصر الآشوري الوسيط، كما شهدت المنطقة تغيرات في موازين القوى السياسية .

ويؤكد نقص النصوص أهمية الحذر عند إعادة بناء تاريخ آشور في هذه المرحلة؛ فغياب الأدلة لا يعني بالضرورة غياب النشاط الحضاري، بل قد يعكس محدودية ما وصل إلينا من السجلات.

 

ثالثًا: العصر الآشوري الوسيط

التاريخ التقريبي: القرنان الرابع عشر إلى الحادي عشر قبل الميلاد

شهدت هذه المرحلة تطور المملكة الآشورية واتساع نفوذها السياسي والإقليمي. كما أصبحت المؤسسات الإدارية والعسكرية أكثر أهمية في تنظيم الدولة .

ويمكن دراسة العصر الآشوري الوسيط من خلال النقوش الملكية والنصوص الإدارية والقانونية، إضافةً إلى الأدلة الأثرية المرتبطة بالمدن والمعابد والتحصينات .

ولا تقتصر أهمية هذه المرحلة على التوسع السياسي، بل تشمل أيضًا تطور المجتمع والمؤسسات الاقتصادية والإدارية.

 

رابعًا: العصر الآشوري الحديث :نقسمه الى عصرين :.

العصر الآشوري الحديث الأول (911–745 ق.م)  أ.

يُعدّ العصر الآشوري الحديث الأول مرحلة مهمة في تاريخ الدولة الآشورية، ويمتد تقريبًا من سنة 911 ق.م إلى سنة 745 ق.م، وقد شهد بداية استعادة الدولة الآشورية لقوتها السياسية والعسكرية بعد فترة من الضعف والاضطرابات التي مرّت بها خلال أواخر العصر الآشوري الوسيط .

بدأت هذه المرحلة بتولي الملك أدد نيراري الثاني العرش سنة 911 ق.م، إذ عمل على إعادة تنظيم الدولة وتقوية سلطتها المركزية، واستعادة المناطق التي فقدتها آشور، وشنّ حملات عسكرية على المناطق المجاورة، مما أسهم في تهيئة الظروف لعودة التوسع الآشوري .

وتعاقب على حكم الدولة خلال هذه المرحلة عدد من الملوك، من أبرزهم أدد نيراري الثاني911 – 891 ق. م، وتوكلتي نينورتا الثاني891- 884 ق. م، وآشور ناصربال الثاني 883- 859 ق . م ، وشلمنصر الثالث 859  824 ق . م ، وشمشي أدد الخامس824 – 811 ق . م ، وأدد نيراري الثالث 811 – 783 ق . م ، وشلمنصر الرابع 783 – 773 ق . م ، وآشور دان الثالث، 773 – 755 ق . م  وآشور نيراري الخامس755 – 745 ق . م . وقد اتبع هؤلاء الملوك سياسات عسكرية وتوسعية هدفت إلى توسيع حدود الدولة وتعزيز نفوذها في مناطق بلاد الشام والأناضول وبلاد الرافدين.

 

وشهد هذا العصر تطورًا في التنظيم العسكري، إذ اعتمد الملوك الآشوريون على الحملات العسكرية المتكررة لتوسيع مناطق نفوذهم وتأمين طرق التجارة وفرض الجزية على الممالك والمناطق الخاضعة لسلطتهم. كما تطورت الإدارة الملكية ونظام الولايات، وازدادت أهمية الحكام المحليين والموظفين في إدارة الأراضي التابعة للدولة.

 

أما في المجال العمراني والفني، فقد شهد العصر نشاطًا ملحوظًا، ولا سيما في عهد الملك آشور ناصربال الثاني، الذي اتخذ من مدينة كالح (نمرود) عاصمةً له، وأقام فيها القصور والمنشآت الملكية، وزيّنها بالمنحوتات الحجرية التي صوّرت مشاهد الحروب والصيد والطقوس الدينية والاحتفالات الملكية.

وفي المجال الديني والثقافي، استمر المعبود آشور في احتلال مكانة مركزية في العقيدة الآشورية، وارتبطت الحملات العسكرية والسلطة الملكية بالمعتقدات الدينية التي منحت الملك شرعية حكمه، كما استمرت الكتابة المسمارية وتدوين الحوليات الملكية التي سجلت أخبار الملوك وحملاتهم وإنجازاتهم .

وانتهت هذه المرحلة بتولي الملك تغلث فلاسر الثالث العرش سنة 745 ق.م، الذي أدخل إصلاحات مهمة في الإدارة والجيش ونظام الولايات، ومهّد بذلك لمرحلة جديدة من القوة الإمبراطورية الآشورية.

وبذلك مثّل العصر الآشوري الحديث الأول مرحلة إعادة بناء القوة الآشورية واستعادة نفوذها الإقليمي، ووضع الأسس السياسية والعسكرية والإدارية التي ساعدت على قيام الإمبراطورية الآشورية في أوج قوتها خلال المرحلة اللاحقة.

 

يُعدّ العصر الآشوري الحديث الثاني مرحلة مهمة من مراحل تاريخ الدولة الآشورية، ويمتد تقريبًا من سنة 745 ق.م إلى سنة 612 ق.م، وهي الفترة التي شهدت توسع الإمبراطورية الآشورية واتساع نفوذها السياسي والعسكري والإداري في مناطق واسعة من الشرق الأدنى القديم  .

بدأت هذه المرحلة بتولي الملك تغلث فلاسر الثالث العرش سنة 745- 727 ق.م، إذ شهدت الدولة في عهده مجموعة من الإصلاحات السياسية والإدارية والعسكرية التي أسهمت في تعزيز سلطة الملك وتطوير تنظيم الجيش وإعادة تنظيم الولايات التابعة للدولة الآشورية  .

وتعاقب على حكم الدولة خلال هذه المرحلة عدد من الملوك البارزين، بعد تغلث فلاسر الثالث، جاء شلمنصر الخامس 727 -722، ق . م وسرجون الثاني 722 -705 ق . م، وسنحاريب 705 -681 ق . م، وأسرحدون 681 -669 ق . م ، وآشور بانيبال 669- 626 ق .م .

وقد شهدت عهودهم حملات عسكرية واسعة، وتوسعًا في الأراضي الخاضعة للنفوذ الآشوري، فضلًا عن تطور الإدارة المركزية ونظام الولايات والاتصالات بين العاصمة والمناطق التابعة للإمبراطورية ..

كما شهد هذا العصر ازدهارًا عمرانيًا وفنيًا واضحًا، ولا سيما في بناء القصور والمعابد والأسوار والمنشآت المائية، فضلًا عن تطور فن النحت البارز الذي جسّد مشاهد الحروب والصيد والطقوس الدينية والحياة الملكية. ومن أبرز المراكز الحضارية في هذه المرحلة نينوى ونمرود وخورسباد وآشور..

وفي المجال الثقافي والعلمي، برز اهتمام الملوك الآشوريين بجمع النصوص المسمارية وحفظها، ومن أبرز مظاهر ذلك مكتبة الملك آشور بانيبال في نينوى، التي ضمت أعدادًا كبيرة من النصوص الأدبية والدينية والعلمية، وأسهمت في حفظ جانب مهم من تراث بلاد الرافدين .

وبذلك يمكن القول إن العصر الآشوري الحديث الثاني مثّل مرحلة اكتمال القوة الإمبراطورية الآشورية، وبلغت فيها الدولة أوج اتساعها السياسي والعسكري، وحققت إنجازات بارزة في الإدارة والعمران والفنون والآداب والعلوم .

وانتهى هذا العصر بسقوط العاصمة نينوى سنة 612 ق.م، بعد الهجوم الذي شنته القوات المتحالفة من البابليين والميديين، وهو الحدث الذي مثّل نهاية الإمبراطورية الآشورية بوصفها قوة سياسية كبرى في الشرق الأدنى القديم .

 

خامسًا: سقوط الإمبراطورية واستمرار تاريخ آشور

تعرضت الإمبراطورية الآشورية في أواخر القرن السابع قبل الميلاد لهجمات أدت إلى انهيار مراكزها السياسية الكبرى.

وسقطت نينوى سنة 612 ق.م.، ثم استمر الصراع في بقايا الأراضي الآشورية إلى أن انتهت المرحلة الإمبراطورية التقليدية نحو سنة 609 ق.م.

لكن سقوط الإمبراطورية لا يعني اختفاء السكان أو زوال كل مظاهر الثقافة الآشورية فورًا. فقد استمرت مناطق آشور ضمن كيانات سياسية متعاقبة، وتواصل تاريخ سكانها ومجتمعاتها ضمن تحولات الشرق الأدنى القديم ...

     في الحلقة القادمة سنتحدث عن النظام السياسي في  الامبراطورية الاشورية .

يعكوب ابونا ......................... 6  /  11  / 2026

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  المصادر

ــــــــــــــــــــــ

.  اولا- العصر الآشوري القديم (نحو 2000–1500 ق.م)

1-عامر سليمان، العراق في التاريخ القديم، جامعة الموصل،

2010.

2-جيا فخري عمر محمد علي، «قضية قانونية من العهد الآشوري القديم في بلاد الأناضول»العلمي العربي، مجلة التراث العلمي العربي، جامعة بغداد، المجلد 19، العدد 3، 2022، ص 181–206.

3-علي ياسين أحمد الجبوري، «رسائل طاب-صل-إيشارا حاكم مدينة آشور إلى سرجون الآشوري الثاني»، آداب الرافدين، جامعة الموصل، العدد 36، 2003، ص 160 145–

4- طه باقر المقدمة في تاريخ الحضارت جزء الاول.

. ثانيا -العصر الآشوري الوسيط (نحو 1500–911 ق.م)

 1-عامر سليمان، القانون في العراق القديم: دراسة تاريخية قانونية مقارنة، ط2، بغداد، 1987.

 2-مسلم جبر كزار، «النحت المجسم في العصر الآشوري الوسيط»، بحث تخرج، قسم الآثار، جامعة القادسية.

 3- ابتهال عادل إبراهيم ومحمد نامق محمود، «الأسرى والقانون في العراق القديم: دراسة تاريخية»، مجلة التربية والعلم، جامعة الموصل، المجلد 18، العدد 2، 2011، ص 147–173.

4- طه باقر قدمة في تاريخ الحضارات القديمة، الجزء الأول.

. ثالثا--العصر الآشوري الحديث الأول (نحو 911–745 ق.م)

1-عامر سليمان، «الجيش والسلاح في العصر الآشوري»، ضمن سلسلة الجيش والسلاح، 1987.

 2-سارة عبد الله عاتي الموسوي ومنذر علي عبد المالك، «الملك آشور ريش إيشي الأول»، مجلة الآداب، جامعة بغداد، العدد 144، 2023، ص 115–122.

 3-ذيار صديق رمضان، «دور المعبود آشور في الحملات العسكرية (911–612 ق.م)»، مجلة التربية والعلم، جامعة الموصل، المجلد 18، العدد 4، 2011.

4.  4-لعصر الآشوري الحديث الثاني (نحو 745–612 ق.م)

 1-طه باقر قدمة في تاريخ الحضارات القديمة، الجزء الأول

 2-فاتن حميد قاسم، المراسلات الإدارية للإمبراطورية الآشورية الحديثة (911–612 ق.م) تجاه حكام المقاطعات، أطروحة دكتوراه، جامعة بغداد، كلية الآداب، 2016.

  3-راكان فرج عازر ميخا الخياط، المشاريع والنظم الإروائية في بلاد آشور إبان العصر الآشوري الحديث (911–612 ق.م)، رسالة ماجستير، جامعة بغداد، كلية الآداب، 2016.

4-علي طالب منعم، التوثيق المرئي والمدون للحدث في العصر الآشوري الحديث، أطروحة دكتوراه، جامعة بغداد، كلية الآداب، 2021.

5- أحمد دخيل النقيب، القيم الجمالية للمنحوتات في العصر الآشوري الحديث في العراق القديم، الموصل: مكتب الجامعة، 2017، 269 صفحة.

6-عبد الرحيم حنون عطية وكاظم عبد الله عطية، «العلاقات الآشورية–المصرية خلال العصر الآشوري الحديث (911–612 ق.م)»، مجلة أبحاث ميسان، المجلد 15، العدد 29، 2019.

ملاحظة بعض المصادر اعلاه ليست كتب بل بحوث من :

. مستودع بحوث جامعة القادسية