
بين الحقيقة وما نحب أن نصدقه
صالح مهدي محمد
ثمة مسافة واسعة بين الحقيقة وما نحب أن نصدقه؛ مسافة لا تُقاس بالأمتار، بل بمدى استعداد الإنسان لمواجهة نفسه والاعتراف بما يجري حوله. فكثيراً ما يختار المرء الرواية التي يشعر بارتياح تجاهها، لا تلك التي تكشف له الواقع، ويتمسك بالأفكار التي تتوافق مع قناعاته، حتى وإن كانت الوقائع تشير إلى عكسها.
المشكلة ليست دائماً في غياب الحقيقة، بل في الرغبة أحياناً في تجنبها. فالبعض يميل إلى تصديق المعلومة التي تنسجم مع مواقفه، والتشكيك في كل ما يخالفها، والبحث عن المبررات حين تُسرد الأخطاء، بدلاً من التوقف عندها والتفكير في دلالاتها. وهكذا تتحول القناعات من وسيلة لفهم الحياة إلى جدران تحجب عنا رؤية الأشياء كما هي.
وفي حياتنا العامة، تبدو هذه الإشكالية أكثر وضوحاً؛ فقد نسمع تصريحات متفائلة عن الإنجاز، ونقرأ أرقاماً تتحدث عن التطور، لكن الحقيقة التي يعيشها المواطن قد تكون مختلفة تماماً. فالمعيار الحقيقي لنجاح أي تجربة ليس جمال الخطاب ولا كثرة التصريحات، وإنما ما يلمسه الناس في حياتهم اليومية من تحسن في مستوى الخدمات، وتوفير لفرص العمل، واحترام لحقوقهم وكرامتهم.
وليس المقصود هنا التشكيك في كل جهد، أو التقليل من قيمة أي إنجاز، بل إن الإنصاف يقتضي أن نعترف بالنجاح حين يتحقق، وأن نشير إلى الإخفاق حين يحدث، من دون أن تحكمنا المصالح الفردية أو العواطف. فالمجتمعات لا تتقدم بالمجاملة، ولا تُبنى الأوطان بتجميل الأخطاء، وإنما بالشجاعة في تشخيص المشكلات والبحث عن حلول واقعية لها.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع هو أن يصبح أفراده مقتنعين بأن كل شيء على ما يرام، بينما تتراكم الأزمات تحت سطح الحياة اليومية. فحين نبرر التقصير بدلاً من محاسبة المخطئ، ونصف الفشل بأنه مجرد عثرة عابرة، ونعتبر النقد إساءةً بدلاً من النظر إليه بوصفه محاولة للتصحيح، فإننا نمنح الأخطاء فرصة جديدة للاستمرار.
والحقيقة - مهما كانت قاسية - تظل أكثر فائدة من الوهم، مهما كان جميلاً. فالاعتراف بالمرض هو أول طريق العلاج، والاعتراف بالخطأ بداية تصحيحه، ومواجهة الواقع ليست علامة تشاؤم، بل دليل على النضج وتحمل المسؤولية.
نحن بحاجة إلى ثقافة لا تخشى السؤال، ولا تعتبر الاختلاف خصومة، وتؤمن بأهمية مراجعة الأفكار وتصحيح المواقف. كما أننا بحاجة إلى أن نتعلم كيف نراجع قناعاتنا، وأن نمتلك الشجاعة لنقول: "لقد أخطأنا، أو لم نكن على صواب".
وقد أظهرت لنا التجارب أن المشكلة ليست في كون الحقيقة مؤلمة - فالألم قد يكون مؤقتاً- ، وإنما المشكلة الحقيقية تكمن في أن نعيش طويلاً داخل أوهام مريحة، ثم نكتشف متأخرين أننا دفعنا ثمن تجاهل الحقيقة من حاضرنا ومستقبل أبنائنا.
فهل نمتلك الشجاعة لنرى الواقع كما هو، أم سنظل نراه كما نحب أن يكون؟
