اخر الاخبار:
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

باسم خندقجي، محكوم بقضاء التاريخ// خديجة جعفر

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

خديجة جعفر

 

عرض صفحة الكاتبة 

باسم خندقجي، محكوم بقضاء التاريخ

خديجة جعفر

 

ان تُختَصر الحياة سردا، في مؤلف من 238 صفحة، اصدار دار الاداب بتصنيف رواية " قناع بلون السماء" " لكاتبها " باسم خندقجي"، امر من غير الممكن والحياة تسلسل من تراكم الضجر في التفاصيل، اما ان تختصر التاريخ بعدد من الصفحات فهو امر مقبول لان التاريخ مجموع أحداث، تتحول تباعا الى فكرة.

 

في رواية تكتب بقلم أسير محكوم، عن جرم ارتكبه التاريخ، هو الإرث الذي أضاف بعدا وجدانيا إنفعاليا يترك للواقع انتصاره على قدرات التخيل بالنسبة للكاتب، وعلى أسبقية المحاكمة من القارئ المُحَّمل بهذا الارث دون ان تنال منه محاكمة، فالقارئ طرف، جزء لا ينفصل عن عقوبة السرد بحكم المعرفة لنفس التاريخ فأن تعرف حيثيات الواقع، فانك تُحَمِل هذا الكاتب، هذا الأسير، جزءا عنك من نصيب الجرم، يحاكم به عنك، فيصبح القارئ محكوم ذاتيا وبالتالي تسقط عنه صفة الرأي او موضوعية النقد باعتباره طرف.

 

فالرواية رواية اسير كتبها من داخل جدران سجن، بأقل قدر من التعرض لسرد عذابات السجين مع سجانيه، او لعذابات العيش داخل جدران السجن، فتحيلنا الرواية الى محاكمة ذاتية، كل قارى يملك معرفة دون دفع دية الجرم في حياته خارج القضبان، وهذا ما استهل به الكاتب روايته مستعينا بابيات من جدارية درويش:

" غنيت كي أزن المدى المهدور في وجع الحمامة

لا لاشرح ما يقول الاله للإنسان،

لست انا النبي لادعي وأحيا وأعلن ان هاويتي صعود.."

 

  تبدو الرواية ملخصا بسيطا لمحاولة العيش من خارج القضبان حتى لو يتسنى ذلك خيالا، رواية بمضمونها تعمل على استيراد الحياة الى داخل السجن، مخيلة ناشطة للعيش خيالا خارج الاسوار كجزء من تبادل الادوار مع من لم يطالهم قدر السجن عن جرم التاريخ والمعرفة. وتخطيا لحدود محوه داخلا، هو الذي لا يملك من فرص الحياة اكثر من حلم لكائن يقرب من الأحياء فيزيولوجيتهم..

 

يحلم بفرص معاناة تشبه معاناة الأحياء خارجا، يطلب مساحة من الفراغ تحتمل كثافة الموضوعات، ان يعيش الازقة، ان ينعزل اراديا في صمت الغرف، ان يولد من حزن الموت، من صمت اب مسكون بالخذلان، يريد مهنة، فتكون له خيالا، منقب الأثار، ويريد تجربة الحب فكان له منها نصيب، يبحث خذلانا اراديا، خذلانا يحمل صفة، وموضوع شخصي خارج اطار العموم ليستعيد ذاته، يريد اسما له خارج التاريخ وخارج تعميم الحكايا

(ليس ثمة معنى لإسم المخيم، الا عندما ترتكب مجزرة، ليصبح إسما في أسماء المآسي من تاريخ الانسانية، ص ١٦) هو الضحية النموذج، خيالا بلا اسم ولا هوية، تماما كما الشوارع المسكونة بالتيه، يذكرها الأحياء بمآسيها، يريد حقدا لا يشبه سلمية ملزمة من سجين، حقدا بلون ذاكرة تراب يعزف على وتر التبني، يريد فرحة الاخطاء من عبث القرارات.

 

في السجون تسقط عنك كل الامتيازات، وكل اجزاءك المكونة للأنت، تعيش داخل حكاية اخرى ممن قرر عنك مصيرك، وتفاصيل يومك والوانه، يفرض عليه صنوفه من الافراح او العذابات يفرض حتى مسارات نموك الجسدي، في حكاية من حكايا سجان آمر ...

 

من اتقان المحو سجنا، يكمل تعليمه الجامعي ويمتهن الاثار، يعيش في الازقة، يهرب من المُعتَقِلين، يصادق مراد، يوثق احلامه تسجيلات صوتية في محاولة العيش لاكبر قدر من التفاصيل، يحلم بكتابة رواية المجدلية، قصة التاريخ، التاريخ المسكوت عنه، الذي لا يحتمل لغة مرهقة، بل مسارين زمنيين الماضي والحاضر، يكتب رواية ليحيا فيها، ليمارس الجنس وليجذبه الحب في معاناته وخسائره وانتصاراته.. فيكون، يستعيد كيانه من عمق النفي..

يحلم خندقجي بهدم جدران الفصل بين حياة الأسر والحياة خارجا، الفصل بين القرار والتلقي، مؤكدا معنى الحرية ربطا بقدرة اتخاذ القرار، فيكون نور الشهدي، يتخذ من خلاله قرارات المعاش، يحيا حياته، فيخرج من الأسوار نحو حياة تكتب على الورق بنكساتها وإرباكات أهدافها.

 

السجن حرمان جسدي، حرمان من الاسم، حرمان من الحلم، من الغد ومن الخطى، بالتالي نفي فمحو فإلغاء، تتحول الى رقم بكل حياد الارقام من دلالة الانفعال وجوب ملزم لمعنى الوجود..

 

يصارع خندقجي، يفاوض ذاته منقذا وجوده، بين نور الشهدي هوية وانتماء ومواجهة بحث أحقية الوجود التاريخي وبين أور شابيرا ممثلا مشروع المُعاش والاحلام.. فالهوية الزرقاء، القناع المؤهِل للعيش، الصفة التي تحيا بالغاء آخر، وجدت في معطف جلدي، مستعمل، وفي التجربة خبرة حياتية يريد عيشها، ملفت باناقتة، امر يرى فيه ما يفرض هدفا ولونا للوجود، هوية اور شابيرا في الجيب العلوي لجهة القلب، تترك اسئلة وحيرة بين قبول وعداء، لكنه يقرر اعتمادها رغم هلوسات نقد صديقه مرشده الروحي ومثاله الاعلى مراد،  يعيدها الى الجيب العلوي من المعطف ومن جهة القلب مجددا... ولهذا التوظيف دلالاته ومعانيه ، فعن اي قلب يتحدث كاتبنا؟

هل هو قلب المحب؟ وهو من يدفع عمره ثمنا في سجن النفي؟ ام حب الحياة وأمل العيش؟

 

لتسرد الرواية اجاباتها جملة تناقضات حياتية يعيشها اصحاب الهوية الملتبسة سياسيا، المغدورة في الاصول التاريخية، التائهة في تفاصيل اليومي ووقائعه..

التاريخ الذي تطمره الصراعات السياسية، يجَدول إشكالية المصارحة والمصالحة ،فيخضع التاريخ للواقع، الواقع الذي يحول أنفاس الموتى الى خضرة اقتصادات الزراعة وسياحة التنزه، الواقع الذي يسلخ عن الحجارة أسماء المدن وعوائل ساكنيها، يصنع من ركام الحضارات سيرة النكبات المتلازمة، واقع يُلزمنا  الحفر عميقا لكشف الحقائق ،واقع يجادل أصالة الهوية و الانتماء، فالحاضر والتاريخ على عداء، يعيش التاريخ ويثمر في باطن الارض، يتحصن بالتربة فترميه في الهوامش، في بقع الصمت، في اللامكان ، ( الوضوح التام مخيف، لانه يخفي في سطوعه الظلام ،ص ٢٠٤) ترميه في الذاكرة ،والذاكرة بلا هوية، بلا مكان، للذاكرة وظيفة الانتماء الجمعي التي تحيا باشكال الصراع، الذاكرة للسرد لا تمتلك مقومات عيشها خارج المنافي، الذاكرة كما السجين تماما، تحيا في عزلتها وفي احتكامها وطاعتها، فالذاكرة تساق سوقا ولا تعرف حرية. التاريخ سجن للحاضر، تدوين دون ذاكرة، الارض ارث الذاكرة، الارض مجدلية الحكاية، التي تبوح بذاكرة المحو للباحثين عنها، منها يفوح عبق الناردين، وطيف المخلص لكل الساكنين في اعماقها..

 

التاريخ ذاكرة خارج اسواق عولمة الحاضر، إنكار للحاضر واثباته في آن، فحاضرنا لا يشبه في علم الأجنة أبويه، الحاضر مهجن بما يكفي من الاحداث لأرباك ذاكرة.. ويستمر الصراع متكئا على خصوصية طاعة  واحتكام الذاكرة مترجما من الاختلافات مفردات ومصطلحات قوة تفرض على الواقع محو تاريخ، ليستمر السؤال شكلا من اشكال الجدل حول معنى الانسان وانسانيته، ومعنى الهوية، ومعنى الحياة وهي تحتكم لأقنية اللغط من صور الماضي والحاضر ..

خديجة جعفر

25 /5 /2024

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.