عامر عودة

 

 

لحية ثوريّة- قصّة قصيرة

عامر عودة

 

عندما قرأ قصيدته في أحد المواقع الإلكترونيّة، ابتسم باستهجان؛ فالقصائدُ الوطنيّة أصبحت كالعلاماتِ التّجاريّة على جبينِ الشّعراء. جارُه، الشّاعر الولهان- كما سَمّاه- لم يكتب يومًا سوى الغزل والرّثاء والمديح والوصف... أَمّا القصائد الوطنيّة فلم تكن ضِمن بضاعتهِ الشّعريّة. وها هو الآن يقرأ له قصيدة وطنيّة ناريّة، مليئة بالحماس!

 

بعد عِدَّة أيام شاهدَهُ يختال كعادته، لكن تغييرًا طرأ على ملامحه؛ فقد أَطْلَقَ لحيةً أسفل ذقنه، دائريّة قصيرة، حديثةَ النّمو، وشاربًا موصولًا بتلك اللّحية الّتي منحت هيئته صرامة وعمقًا. لِمَ لا وقد بدأ يكتب أشعارًا وطنيّة ثوريّة!

 

وها هي تجارته قد بدأت تَجني ثمارها؛ فقصائده أخذت تنتشر في الصّحفِ المحلّيّة والمواقعِ الإلكترونيّة. وشرع بعضُ "النّقّادِ الأدبيين" يُشيدون بجمالها وقوّةِ معانيها وجزالةِ ألفاظها. ثمَّ بدأت بعضُ الأحزاب تدعوه لإلقاءِ قصائدِه في المهرجاناتِ الشّعبيّة والنّشاطاتِ الوطنيّة.

 

دُعِيَ يومًا لإلقاءِ قصيدة في أحدِ المهرجاناتِ الشّعبيّة. وعندما علِمَ أنَّ الشّرطة أصدرت قرارًا بمنع إقامةِ هذا المهرجان، ارتعد خوفًا، وتمنّى أن يرضخَ منظّموه لقرارها. فلم يتوقّع أن تؤدّي به تجارتُه إلى تصادم معِ الشّرطة الّتي لا ترحم، فكلّ ما أراده هوَ الشّهرة.

 

تَوَلّاه شعور بالحيرة والقلق؛ عاش أيامًا عصيبة بدأ فيها يتخيّل السيناريوهات الأسوأ. كان يستمع إلى الأخبار كلّ ساعة، ويقرأ بقلبٍ واجف كلّ خبر عنِ المهرجانِ المحظور. لكن ما تمنّاه لم يحدث...

 

وجاءِ اليومُ المنتظر. قام بعد ليلة سهاد، فتح باب نافذته وهو ساهم، فرأى الهدوء يلفُّ المدينة. زايلَهُ الخوف قليلًا لأنّه لم يرَ أيَّ شرطيٍّ في الشّارع... أعدَّ له فنجانَ قهوة، ثمّ أحضرَ الورقةَ الّتي كتب عليها القصيدة الّتي منَ المفروض أن يلقيها في المهرجان. مسكها بيديْن مرتجفتيْن، وأخذ يقرأُها بصوت متهدّج، فلا بدَّ أن يلقيها في المهرجان، وإلّا فسيخسر كلّ ما كسبه من بضاعة، وسيفقد حبَّ الجماهير له. وتمنّى ألّا يحدث ما يجوله من هواجس، وأن يتفرّقَ الجمهور دون صدام معِ الشّرطة.

 

فتح خزانةَ ملابسه واختار بدلة أنيقة ليرتديها في هذهِ المناسبةِ الوطنيّة؛ سَرَّحَ شعره؛ شَذَّبَ لحيته الّتي ازدادت كثافة _كما يريدها تمامًا_ ليكتمل مظهرُهُ الثوريّ، وليبدو أكثر هيبة. طوى الورقةَ الّتي كتب عليها القصيدة ووضعها في جيبه، ثمّ لَمْلَمَ أطرافَ شجاعته وركب سيّارته.

 

في طريقه إلى ساحةِ المهرجان، داهمه ذهول عندَ رؤيتهِ العديد من رجالِ الشّرطة منتشرين على المفارق. "لماذا لم أرهم من باب نافذتي؟!" تساءل في نفسه. يختلج قلبه؛ يتردّد في أن يُكمل طريقه أم يعود أدراجه...

 

"إذا لم تحدث مواجهات معِ الشّرطة، فهل يمكن أن يعتقلونني لأنّني شاركت في هذا المهرجانِ المحظور؟" نَحَتَ السّؤال رأسه. رَكَنَ سيّارته بجانبِ الشّارع، وأكملَ طريقه برجليْن مرتعدتيْن وقلب واجف.

 

عندما اقترب من ساحةِ المهرجان، سمع هتافاتِ الجماهير. وشاهد بعض أفرادِ الشّرطة تضرب بالعصي أحدَ الأشخاص قبل أن تعتقله، والدمّ يسيل من رأسه. يمتقع وجهه؛ يجفّ ريقه؛ يشعر بضيق في صدره، ولم تعد رجلاه قادرتيْن على الاستمرار في السَّير.

 

يعود إلى سيّارته... يجلس بداخلها ليلتقطَ أنفاسه... يخلعُ جاكيت بدلته... يفتحُ النّافذة بجانبه ليملأ رئتيْه بالهواء... يشرب جرعتيْن منَ الماء ليبلّ ريقه، ثمّ يديرُ المحرّك عائدًا إلى بيته...

 

ما إن دخل منزله حتّى ألقى بثقله على الكنبة مكبلًا بالخوف... بعد قليل يتناهى إلى سمعه دويّ إطلاق نار وصراخ. يقوم وينظر من نافذته فيرى غبارًا ودخانًا أسود وأبيض يكسوان الشّوارع... تخطر بباله فكرة... يبتسم ويتهلّل وجهه؛ يفترّ ثغره، فقد جاءَهُ الفرج!

 

في اليومِ التّالي، ظهرت صورته في مواقعِ التّواصلِ الاجتماعي بلحية مشذبه بعناية، وتحتها خبر يقول إنَّ الشّرطة قد منعت بالقوّة شاعرَ الشّعبِ والوطن منَ الوصول إلى ساحةِ المهرجان! وطَفق هاتفه يرنّ بكثرة، من سيلِ الرّسائلِ والاتصالات، للتّعبير عنِ التّضامن معه، والاطمئنان على صحّته!