
الحلة في مرآة القصيدة – قراءة في نص موفق محمد انا أحب الحلة
محمد علي محيي الدين
حين يكتب الشاعر موفق محمد عن "الحلة"، فإنه لا يدبّج مديحًا لمدينة، بل يخط سيرة وطنٍ مسكوبٍ في ذاكرة الماء والطين والدم. قصيدته "أنا أحب الحلة" ليست مناجاة حنين عابرة، بل وثيقة شعرية ترسّخ علاقة وجودية بين الإنسان والمكان، بين النهر والقصيدة، بين الطفولة والعراق الذي "لا نريده أن يموت... ولن يموت".
يبدأ موفق محمد القصيدة بولادة فجرية قريبة من النهر:
"أنا أحب الحلة لأني ولدت على بعد موجتين من نهرها فجراً
فسمتني الحبوبة موفقاً
وقـَمَطـَتـنِي بطين النهر"
المدينة هنا ليست جغرافيا، بل رحم طيني، يولد فيه الاسم والمصير. النهر ليس مجازًا بل معلمًا، وماءه محمّل منذ البدء بنبوءة، حيث الطين يختلط بالكتابة، والماء بالتاريخ.
ثم تأتي المفارقة التي تُلمّح إلى لعنة الشعر:
"داعية لي أن لا أكون شاعراً
لأن أباها – رحمه الله – كان شاعراً
لا يطفر من مِقلاة إلا ليقع في أخرى
أشد وأقلى"
هنا يستدعي الشاعر الموروث الشعبي في النظر إلى الشعر كقدر متعب، لا يكفل الاستقرار. في مجتمع تتوارث فيه المعاناة، يبدو أن الشعر يورث كما يورث الفقر والمنفى.
في قلب القصيدة، يتجلّى النهر مرة أخرى، لا بوصفه موردًا طبيعيًا، بل كتابًا ممنوعًا، ومرآة لدم متخثّر:
"وأعارني كتباً ممنوعة
لا أعرف كيف حافظ على الدم المتخثر فيها
وهو الجاري منذ بدأ الخليقة"
يصوّر الشاعر العراق كأمٍ مكلومة بولد غريق، تولول منذ الشرائع الأولى، في تلويحة ذات طابع ملحمي:
"وكأن العراق أم ولد غريق
تولول ناثرة شعرها منذ بدء الشرائع في الشرايع..."
وتبلغ اللغة الشعرية ذروتها حين يقول:
"ففي كل موجة دم ونواح
وتيقنت بأن النهر نواح الثكالى وأنين المذبوحين"
يتحوّل النهر إلى أرشيف للحزن، إلى شريط مسجّل للألم العراقي المتكرر، منذ الخليقة حتى اللحظة.
ثم يستعيد موفق محمد صورة "مجانين الحلة"، أولئك الذين يحملون الكتب كمن يحمل السلاح، كأنهم رعيل من الرهبان الحالمين، الذين لم يسدوا بابًا على الريح، ولم يغلقوا نوافذ الحلم:
"أعشق مجانينها المتأبطين كتباً
من مات منهم ومن بقى على قيد الحياة
أولئك الذين لم يسدوا باباً تأتي منه الريح"
ويمتد الحلم إلى وطنٍ يصنعه المفلسون، الحالمون، الذين يغزلون الشمس، ويحلبون القمر من أجل ميلاد مختلف:
"المفلسين الحالمين بوطن يرفرف
في جناح اليمام
ونساء من عسل ونور
وغزل في غيمة
وكوخ على ضفة النهر
وقنينة خمر لا تفرغ أبدا"
والخلاصة: قصيدة "أنا أحب الحلة" هي قصيدة وطنٍ مطعون لا يزال يتنفّس بالأمل. إنها وثيقة حبّ وحزن، رؤيا تتداخل فيها الأسطورة بالسياسة، واليومي بالمقدس. يكتب موفق محمد من نهر الحلة، لكنه يكتب عن نهر العراق، عن الأمّ التي تولول، وعن الأبناء الذين يغزلون الخلاص من خيوط الخيال، ولا ينتظرون إذنًا من أحد لكي يحلموا بوطن لا يُقطف رأسه.
إنها قصيدة الشعراء المفلسين، الأنبياء المعلّقين بين الحلم والمقصلة... فهنيئًا للحلة بأبنائها الحالمين.