مختار جديد، مواسم جديدة_ قصّة قصيرة

عامر عودة

 

 

عندما عُيَّن أبو شهاب مختارًا جديدًا مكان المختارِ السّابق، الّذي توفّيَ قبل أسبوعيْن، احتار أهلُ القرية في كيفيةِ التّعامل معه. فالمختار الجديد رفض كلَّ الرّشاوى، المُقَدَّمَة له، والّتي كانت تُقَدَّمُ للمختار السّابق_ على شكل هدايا وعطاءات، وأحيانًا نقدًا داخل مغلفات_ لِدَفعه على تقليص المبالغِ الضّريبيَّةِ المفروضة على أغنياءِ القرية والميسورين من تجّار وأصحاب أراض ومصالح خاصّة، الواجب دفعها للحكومة، والّتي كان المختار هو مَن يُحَدِّدها.

 

كان بعضُ التُّجّار والمَلّاكين الصّغار غير قادرين على سبغ عطاءاتهم للمختارِ الرّاحل، إلّا بمبالغ صغيرة، أو هدايا تَقِلُّ قيمة عن هدايا التُّجّار والملّاكين الكبار، فتبقى حِصَّتهم من دفعِ الضّريبة كما هي. لكن أحيانًا تعتري المختار الشَّفقة، فَيُخَفِّض قليلًا منَ المبلغِ المطلوب. فما كان من أحد هؤلاء، إلّا أن وشى عنه للحكومة؛ فوظَّفوا حوله جواسيس، وتأكّدوا من صِحَّةِ الوشاية. وما أن أعلنتِ الحكومة عن نيّتها بعزله، وتعيين مختار جديد مكانه، حتّى أصابته جلطة دماغيّة قاتلة.

 

لعن أغنياءُ القرية في سِرِّهم المختارَ الجديد، بعد أن فرض عليهم ضرائبَ أكثر بكثير مِمّا كانوا يدفعونها في عهد المختارِ السّابق. وكانت السَّنةُ الماليَّة على وشكِ الانتهاء، والوقت آخذ بالنّفاد، ومن لا يدفع حصّته، ستصادِر الحكومة قطعة من أرضه، أو يؤخذ قسم من بضاعته أو جزء من أملاكه. أمّا إذا رضوا بالمبلغ ودفعوه، فسيصبح منَ الصَّعب تخفيضه في المستقبل. وقد تحطَّمت جميع رجاءاتهم وطلباتهم بخفضِ الضّريبة، على صخرة رفضهِ الباردة، فأمسكتِ الحيرة قلوبهم.

 

اجتمعَ أصحابُ المصالح والأراضي والتُّجار، وانتدبوا أبا جابر، الّذي تربطه قرابة بالمختار الجديد، ليتكلَّم باسمهم، لعلَّه يستطيعُ التَّأثير عليه. فزاره في بيته ناقلًا إليه تَذَمُّرهم منَ المبالغِ الضّريبيّةِ الباهظةِ المفروضةِ عليهم، ورجاه تخفيفها. لكنّ المختار تمسَّك بِصُلبه، فسقط طلبه تحت أنقاضِ الفشل، وخرج من بيته ممتعضًا.

 

بعد أيّام دَعا المختار أبناءَ القرية للاحتفال بعرسِ ابنه. فأزمعَ الأغنياء على معاقبته، بعدم تلبيةِ دعوته. لكنّ أبا جابر كان له رأي آخر ،عندما عرضه عليهم رفضوه في البداية، لكن بعد ذلك تقبَّلوه متعلّقين بأهدابِ الأمل، قبل أن تقطع مقصلةُ اليأس ما تبقّى منه.

 

كان فرح ابنِ المختار كبيرًا ومهيبًا، حضره جميع أبناءِ القرية، فقراؤها وأغنياؤها. وبعد أن غادر المدعوّون وخلا المكان، دخل أبو شهاب غرفتهُ الخاصّة، وأقفلَ الباب وراءه. ثمّ بدأ بفضِّ مغلفاتِ النُّقوط وعَدِّها. ولم يعلم أحد من أهلِ بيته المبلغَ الحقيقيَّ الّذي وضعهُ الأغنياء والميسورون والملّاكون وأصحابُ المصالح في المغلفات...

 

بعد عدة أيّام، زار أغنياءُ القرية أبا جابر في بيته، بوجوه متهلّلة، شاكرينه على حذاقته ونجاح خِطَّته. فها هي الضَّريبةُ السنويَّةُ الّتي كانت مفروضة على كلِّ واحد منهم قدٍ انخفضت. وعادتِ الطّمأنينة إلى قلوبهم...

 

...بعد مرور سنة، فرضَ المختار من جديد، ضريبة مرتفعة على أغنياءِ القرية. وفي المقابل، دعاهم للاحتفال بولادةِ حفيد جديد له.