للذهاب الى صفحة الكاتب   

وجهة نظر

أسئلة الشعر: مقالات في الفهم والتأويل

 (3)

كيف نفهم الشعر

صالح مهدي محمد

 

ما الشعر لغزا مغلقا كما يشاع، ولا هو مفتاح واحد يفتح جميع أبوابه دفعة واحدة، بل هو كائن حي يتنفس داخل اللغة ويغير ملامحه كلما اقتربنا منه أو ابتعدنا عنه. فهم الشعر ما يبدأ من المعنى المباشر، بل من الاستعداد للدخول في تجربة، ومن القبول بأن ما سنقرأه ما هو تقريرا ولا خطابا عقلانيا صرفا، وإنما نسيج من الإيحاءات والانفعالات والظلال التي تتجاوز حدود الكلمات.

 

حين نقرأ الشعر بعين تبحث عن تفسير نهائي، فإننا نضيق عليه ونختزله، أما حين نقرأه كمساحة مفتوحة للتأمل، فإننا نمنحه فرصة أن يكشف عن مستوياته المتعددة. الكلمة في الشعر ما تعني ما تقوله فقط، بل ما توحي به، وما تستدعيه من ذاكرة، وما تتركه من أثر بعد أن تنتهي. لذلك فإن أول خطوة في فهم الشعر هي الإصغاء لا القراءة السريعة؛ الإصغاء للنبرة، للإيقاع، للصمت بين الكلمات، لتلك الفجوات التي يتركها الشاعر عمدا ليملأها القارئ بتجربته الخاصة.

 

وفي هذا السياق، يمكن استحضار ما ذهب إليه الناقد فاضل ثامر في مقال له بعنوان نقد الشعر من المعيارية إلى الوصفية، إذ يرى أن: «تفترض عملية القراءة حرية التأويل المتعدد، ما دامت ليست هناك قراءة واحدة نهائية، كما كانت تذهب إلى ذلك مدرسة التأويل الآبائي»(*).

 

وهو طرح ينسجم مع طبيعة النص الشعري بوصفه فضاء مفتوحا للقراءات، لا يختزل في معنى واحد أو تأويل نهائي.

 

الشعر لا يفهم بمعزل عن الشعور، فالعقل وحده ما يكفي. إن محاولة تحليل القصيدة كما لو كانت مسألة رياضية تفقدها جوهرها. الفهم الحقيقي يأتي من تداخل الإدراك الحسي مع التأمل العقلي، من السماح للنص أن يؤثر فينا قبل أن نحاكمه. قد نشعر بالقصيدة قبل أن نفهمها، وربما يبقى شيء منها عصيا على التفسير، وهذا ما هو نقصا فيها، بل دليل على عمقها.

 

ومن المهم أيضا أن نتحرر من فكرة أن لكل قصيدة معنى واحدا صحيحا. الشعر بطبيعته متعدد القراءات، وكل قراءة تضيف إليه بعدا جديدا. ما نفهمه اليوم قد يتغير غدا، لأننا نحن أنفسنا نتغير. النص الشعري ما هو ثابتا، بل يتحرك مع القارئ، ينمو معه، ويعيد تشكيله بطرق خفية.

 

اللغة الشعرية تعتمد على الانزياح، وعلى كسر المألوف، وعلى إعادة ترتيب العلاقة بين الكلمات والمعاني. حين يقول الشاعر ما لا يقال عادة، فهو لا يهدف إلى الغموض لمجرد الغموض، بل إلى توسيع أفق الإدراك. هنا يصبح الغموض أداة لا عائقا، ودعوة للبحث لا جدارا للانسحاب. فهم الشعر إذن يتطلب صبرا وفضولا واستعدادا للعيش داخل النص بدل المرور عليه.

 

كما أن السياق يلعب دورا، لكن ما هو بالضرورة أن تكون معرفة حياة الشاعر أو زمنه شرطا لفهم القصيدة، بل هو عنصر مساعد يمكن أن يضيء بعض الزوايا. غير أن الاعتماد الكلي عليه قد يحول القراءة إلى بحث خارجي بدل أن تكون تجربة داخل النص نفسه.

 

يبقى أن فهم الشعر ما هو هدفا نصل إليه ثم نتوقف، بل هو عملية مستمرة، وعلاقة تتجدد مع كل قراءة. القصيدة الجيدة لا تستهلك، بل تعود إلينا كل مرة بشكل مختلف، كأنها تكتب من جديد في وعينا. ولذلك فإن السؤال الأهم ما هو كيف نفهم الشعر مرة واحدة، بل كيف نستمر في فهمه، وكيف نبقى منفتحين عليه، وكيف نسمح له أن يغيرنا بقدر ما نحاول أن نفهمه.

 

وثمة زاوية أخرى لفهم الشعر تتعلق بعلاقتنا باللغة ذاتها؛ فنحن غالبا نستخدم الكلمات كأدوات للإشارة والتحديد، بينما يستخدمها الشاعر كمواد خام لإعادة الخلق. حين ندرك أن الكلمة في القصيدة ما هي مجرد وسيلة، بل غاية جمالية قائمة بذاتها، يبدأ وعينا بالتحول. تصبح الأصوات، والتكرارات، والانكسارات الإيقاعية عناصر دلالية لا تقل أهمية عن المعنى الظاهر.

 

لذلك فإن قراءة الشعر بصوت مسموع أحيانا تكشف ما لا تكشفه القراءة الصامتة، لأن الإيقاع ما هو زينة خارجية، بل هو جزء من بنية الشعور التي تحملها القصيدة، ومن خلاله يمكننا أن نلمس نبض النص كما أراده الشاعر.

 

ومن جهة أخرى، فإن فهم الشعر يتطلب نوعا من التواضع المعرفي، أي الاعتراف بأننا لن نحيط بكل شيء، وأن بعض الجمال يكمن في ما يفلت منا. ما كل قصيدة مطالبة بأن تشرح نفسها، ولا كل قارئ ملزم بأن يخرج منها بيقين واضح. أحيانا يكفي أن تترك القصيدة أثرا: صورة عالقة، أو إحساسا مبهما يرافقنا دون تفسير. هذا الأثر شكل من أشكال الفهم، حتى لو لم نستطع صياغته بالكلمات. وهنا يتحول الشعر من نص يقرأ إلى تجربة تعاش، ومن معنى يفهم إلى حالة تحس، وهذا ربما أعمق ما يمكن أن يقدمه لنا من تجربة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

(*) مقال بعنوان نقد الشعر من المعيارية الى الوصفية منشور في 1 /7 /2020 للناقد فاضل ثامر مجلة الجديد.