للذهاب الى صفحة الكاتب   

رواية "العراب" للروائي الأيطالي ماريو بوزو- وحمى المافيات

عبد الجبار نوري

كاتب وناقد أدب عراقي مغترب

 

إن رواية "العراب"  The Godfatherللكاتب الأيطالي الأمريكي ماريو بوزو واحدة من أشهر الروايات العالمية التي تناولت عالم الجريمة المنظمة وعالم المافيات المتوحشة والأجرامية الأيطالية في الولايات المتحدة الأمريكية، صدرت الرواية عام 1969 وحققت نجاحا باهرا في الأنتشار الواسع والرقم المذهل في البيع والتصدير وعالم الأقتناء والقراءة بسبب أسلوبها المشوق وكشف زوايا الظلام الموحش لعتاة مجرمي المافيات الأيطالية في سرطنة المجتمع الأمريكي وجر بعضها أغراءا وتهديدا بالقتل، ولشخصياتها القوية وأحداثها المليئة بالصراعات العائلية، أستغرق تأليف رواية (العراب) سبع سنوات بثلاث أجزاء تناولت بروتوكولات وأخلاقية المافيات الأيطالية وأجرامها.

 

تدور الرواية حول عائلة "كورليوني" التي تعتبر من أقوى عائلات المافيا في نيويورك ويرأسها الزعيم القوي والحكيم "فيتو كورليوني" المعروف بلقب العراب.

تبدأ الرواية في في حفل زواج (كوني) أبنة فيتو كورايوني حيث يدعو مئات الأصدقاء والأقارب ورجال السطوة والنفوذ للأحتفال، وفي هذه المناسبة يظهر فيها مدى القوة التي يتمتع بها (دون كورليوني) حيث يتقرب أليه الناس طالبين المساعدة في حل مشاكلهم سواء كانت قانونية أو غير قانونية وتكون أحيانا طلبات أنتقامية شخصية، وكان فيتو يؤمن بأن الأحترام والوفاء أهم من المال لذلك كان يساعد الناس مقابل الولاء وليس مقابل المال فقط، وأثناء الحفل يعرفنا الروائي اللبيب والحكيم (ماريو) بأبناء كوريليوني الأربعة:

- سوني كورليوني عنيف وسريع الغضب

- فريد كورليوني ضعيف الشخصية

- مايكل كورليوني هادىء ومتعلم وصاحب شخصية كاريزمية وسوف يكون وريثا لمنصب العراب بعد وفاة الأب كاريليوني

- كوني الأبنة الوحيدة

كما عرفنا على المستشار القانوني للعائلة (توم هيغن) رغم أنه ليس أيطالي الأصول.

وبدأت للعائلة مشكلة كبيرة ومؤثرة في رفض كورليوني في مشاركة تاجر المخدرات الخطير والقوي يدعى (فيرجيل سولتسو) لكن كوروليوني يرفض العرض لأنه يرى تجارة المخدرات خطيرة وقد تؤدي إلى خسارة المجتمع وتدمير العلاقات السياسية الودية مع الحكومة، وهذا الرفض أثار حفيظة وغضب سولوتسو قرر التخلص من كورليوني وتعرض لمحاولة أغتيال فاشلة من عصابة سولوتسو وبعد فترة أعادوا محاولة ثانية فيصاب بعدة رصاصات ولكنه ينجو من الموت.

 

هذا الحادث سبب فوضى وأرتباك داخل العائلة، ظهر تحول مهم في شخصية الأبن الضابط في الشرطة (مايكل كورليوني) الذي كان يحب العزلة عن عالم المافيات والجريمة لكن خطر التهديدات ومحاولات أغتيال الوالد العراب شعر بالخطر فتدخل لحماية العائلة وحياة والده، علم مايكل أن سوليستو المنافس لهم وعدو العائلة وصديقه ضابط شرطة المرتشي قرروا أغتيال والده وهو راقد في المستشفى يقرر التدخل بنفسه وفعلا يجدهم مجتمعين في مطعم بعد مشادة ساخنة بينهم يقوم مايكل كاريليوني بقتل سولوستو والضابط الفاسد والمرتشي معا ويهرب إلى جزيرة صقلية في أيطاليا.

 

هذا الحادث يعتبر التحول المفصلي في الرواية وخاصة أغتيال زوجته أبولونيا في صقليا كان المقصود مايكل وسماع أغتيال أخيه سوني كوريليوني في أمريكا ووفاة الأب العراب كوريليوني كمدا وهذه الأحداث المأساوية المتتابعة جعلت من مايكل كارليوني أكثر قسوة وأنتقام، وبعد وفاة الوالد كوريليوني أصبح مايكل كوريليوني العراب للعائلة قرر عقد هدنة مع المنافسين والسير في النهج السلمي مع الحكومة والمجتمع لكون الجريمة لا تجدي ولآنها تولد جريمة أكبر.

 

مغزى الرواية

- ليس من الضرورة أن يفهم أن رواية العراب تحتكر وتتاجر بالمخدرات والبشر لا ليس كذلك إن عائلة كورليوني تنتهج طريقا سليما مع الحكومة والمجتمع بتبني عنصري (النفوذ والقوة) بحصول العائلة على مكانة مرموقة بكاريزميا أجتماعية، ولكنها تتقاطع وتصطدم بأرهاصات الصراع الطبقي ونزعة الشر والحسد والغيرة والمنافسة الغير شريفة أستوعبت الكثير من العثرات والمطبات الخطرة كتعرض العائلة لموجة من محاولات التصفية الجسدية.

- الصراع بين الخير والشر

- أهمية العائلة والولاء

- الفساد السياسي وعلاقة الجريمة بالنفوذ

- الخروج على القانون

- التحولات السايكولوجية النفسية

- تأثير السلطة والمال على الوضع الجمعي السوسيولوجي للأنسان

- التحول النفسي عند القيادة

- الفساد السياسي في التكوين الهيكلي للحكومة

 

-  نجح المؤلف الحكيم ماريو بوزو في تقديم رواية تجمع بين التشويق والدراما والتحليل النفسي والأنثوبولوجي، ولم يكن "العراب" مجرد حكاية عابرة عن المافيا بل كانت قصة عن السلطة والعائلة والطموح الغير شرعي والخيانة.

ومن شدة أشتهارها تحولت إلى فيلم سينمائي في مطلع السبعينات بأخراج فرانسيس فورد كويلا، والفيلم مقتبس من رواية ماريو بوزو والصادرة سنة 1969 ويعتبر من أعظم أفلام السينما العالمية وكان بطل الفيلم الممثل الأمريكي المشهور (مارلون براندو) مع الممثلتين الأيطاليتين ديانا كيتون وتاليا شاير:

 

فكرة الفيلم

- يحكي الفيلم عن حياة عائلتي ديانا كيتون وتاليا شاير كورليوني وهي من أقوى عائلات المافيا الأيطالية في نيويورك في أربعينات وخمسينات القرن الماضي، الأب فيتو كورليونيمو (العراب) يدير أعمال العائلة بمنطق الولاء والأحترام والأنتقام

 

- تعاني العائلة من ظاهرة السوسيولوجية الجمعية (صراع الأجيال) الأبن الأصغر مايكل كورليوني كان ضابط شرطة لا يرغب الأشتغال مع المافيا لكن بعد محاولة أغتيال والده من قبل عصابة مافيا منافسة ينجر غصبا لعالم المافيا الأجرامية لحماية العائلة وعرابها الأب كورليوني، ويتحول من شاب مثالي إلى زعيم مافيا أخطر من أبيه.

 

- وهنا الرسالة الأساسية في الفيلم: كيف إن السلطة تغير الأنسان!؟ وكيف العنف يولد عنف أكبر!؟

 

- والفيلم يعتبر دراسة بنيوية عن السلطة والفساد، وثقل فاتورة الدفع حتى تحمي عائلتك من شرور شياطين المافيات، وفكرة الفيلم لا تقوم على تمجيد المافيات بل كشف ثمن الخسائر المادية والمعنوية نموذج مايكل الأبن يصبح عراب ولكنهُ يخسر والده  وزوجته وأخيه ونفسه.

 

وكانت أفضل رواية وأفضل فيلم يتابعهُ رؤساء أشرار مشهورين مثل (ترامب وصدام حسين) في حياتهم السياسية أستوحو الكثير من أفكار الرواية والأفكار السوداوية للمافيات المأجورة وحيازة المال والسلطة والنفوذ نموذج الفترة الصدامية بزمن 35 يجعل العراق سجنا كبيرا ويعتقل ويعدم العراقي ب( الشبهات) وبالذات في القرن العشرين التعيس الحامل لكل مفردات السيمياء التي هي أداة لقراءة السلوك السوسيولوجي للذات البشرية والسوسيولوجية الجمعية العراقية الخائبة والاسيرة والفقد جميع مظاهر الحياة بدأ من الأنفعالات مرورا بالطقوس التأريخية والأنتهاء عند الآيديولوجيات التي تحكي تلك الفترة المظلمة دموعا وموتا وسوق أفواج من الشباب الغض مرغمين مدفوعين لمحرقة الموت المجاني لحروبه  المجانية بدأ من سنة الخيبة 1980 الحرب الأيرانية العراقية وضرب حلبجة بالكيمياوي 1988 وأجتياح الجارة الكويت عام 1991 وقمع الأنتفاضة الشعبانية  1991 والحصار الأقتصادي 1991 ورافقت تلك الفترة المشأؤومة هجرة الملايين من الشباب والعقول العلمية للأغتراب في دول الضياع.، وهذا العرض المأساوي موجز فيض من غيض لفاتورات الأعجاب بالمافيات المنظمة.

 

الفترة الترامبية كان دونالد ترامب هو الآخر مولعا بقراءة رواية العراب ومشاهدة الفيلم: التي حولت الشرق الأوسط وفلسطين إلى مقبرة ولبنان وغزه وأيران والعراق واليمن وجنائز خراب في زمننا اليوم في عهد شرطي الكوكب "ترامب" سمسار العقارات المتهور عكس الوجه القبيح للبنتاكون وال CIA وتبني الفكر النازي الشوفيني بملكية أكثر من الملك، وقرار ترامب الخبيث في نقل السفارة الأمريكية إلى القدس وأعلانها عاصمة لأسرائيل، وفي 25 أذار2019 أعتراف ترامب بسيادة أسرائيل على الجولان السورية المحتلة، وبمشاركة فاعلة مع العنصري أردوغان في تغيير الحكم في سوريا وتقديمها على طبق تحالف مع عصابة النصرة المجرمة، وعمل على تغيير خارطة الشرق الأوسط لقلب الطاولة على معاهدة سايكس بيكو للسيطرة على مناطق الطاقة، من حماقاته قصف قاعدة (الشعيرات) في سوريا ب59 صاروخ توما هوك وأخراج المطار من الخدمة وقتل 500 شخص من الحراس وجرح أكثر من 600، وهجرة مليونية وبمساعدة لوجيستية من البنتاكون المتصهين أطلق يد مجرم الحرب نتنياهو في مسح غزة وجنوب لبنان بشعار الدمار الشامل الأرض المحروقة.

وتبا لحمى المافيات وشعارها والحسنى لمن قال: { لكم القبور---- ولهم السلطة والقصور}

 

كاتب وناقد أدب عراقي مغترب

مايس 2026.