للذهاب الى صفحة الكاتب   

وجهة نظر

أسئلة الشعر: مقالات في الفهم والتأويل

(11) قصيدة النثر: تحوّل الشعر من الشكل إلى الجوهر

قراءة في كتاب من بودلير إلى الوقت الراهن

صالح مهدي محمد

 

يتحرك كتاب “قصيدة النثر من بودلير إلى الوقت الراهن” (1) في منطقة نقدية حساسة تسعى إلى تفكيك واحدة من أكثر الظواهر الشعرية إثارة للجدل، إذ ينطلق من لحظة التمرد الأولى على الأشكال الكلاسيكية، حين لم يعد الوزن معيارًا كافيًا لاعتبار النص شعرًا، بل غدا الجوهر الشعري نفسه موضع مساءلة. ارتبط التحول ببودلير، لا بوصفه تجربة فردية فحسب، بل باعتباره إعلانًا عن انتقال الشعر من قيد الشكل إلى أفق التجربة، حيث يستطيع النثر أن يحمل طاقة شعرية مكتملة دون حاجة إلى بنية عروضية تقليدية. وقد ألمح النقاش المبكر إلى إمكانية وجود “قصائد بلا أبيات” في مقابل أبيات تخلو من الشعر. وفي هذا السياق، تبرز رؤية نقدية تؤكد أن قصيدة النثر «تهدف إلى أن تذهب إلى ما هو أبعد من اللغة، وهي تستخدم اللغة، وأن تحطم الشكل وهي تخلق أشكالًا»(2) .

 

يتتبع الكتاب مسار التحول بوصفه سيرورة تاريخية وفكرية، كاشفًا أن قصيدة النثر لم تنشأ فجأة، بل جاءت نتيجة تراكمات جمالية بدأت مع التشكيك في الفصل الصارم بين الشعر والنثر، وهو فصل استمر قرونًا بوصفه معيارًا نهائيًا. غير أن التجربة الرومانسية وما تلاها فتحت الباب أمام إعادة تعريف الشعر، ليغدو مرتبطًا بالقدرة على الإيحاء والتكثيف، لا بالوزن وحده، مما مهّد لظهور صيغة جديدة ذات خصائص مزدوجة.

 

في هذا الأفق، تُطرح قصيدة النثر باعتبارها محاولة لإعادة التفكير في جوهر الشعر؛ إذ لم يعد السؤال: هل النص موزون؟ بل: هل ينطوي على طاقة شعرية؟ يغيّر ذلك من طبيعة التلقي، فيتجه القارئ نحو الإيقاع الداخلي، والعلاقات الخفية بين الكلمات، والصور المتشكّلة خارج المباشر. ومن هنا تنبع صعوبتها، لأنها لا تقدّم مفاتيح جاهزة، بل تتطلب قراءة أكثر انخراطًا وتأمّلًا.

 

كما يناقش الكتاب التوتر الدائم بين الشكل والجوهر، حيث يتردد سؤال قديم: هل يمكن للنثر أن يكون شعرًا دون أن يفقد هويته؟ لا يُفضي النقاش إلى إجابة حاسمة، بل يفتح أفقًا للتأمل النقدي، لأن التجربة تقوم على إعادة توزيع الخصائص بين الإيقاع والدلالة، وعلى ابتكار أنساق داخلية تمنح النص تماسكه. ومن ثمّ تُستمد الشرعية من القدرة على إنتاج أثر شعري حقيقي، لا من مطابقة قوالب سابقة.

 

ويتوقف الكتاب عند تجارب متعددة أسهمت في تطوير الصيغة، فلم تبقِها ثابتة، بل جعلتها تتحول مع الزمن، وتكتسب سمات جديدة تبعًا للسياقات الثقافية واللغوية. في كل مرحلة ظهرت محاولة لإعادة تعريفها، عبر التكثيف أو الصورة أو الإيقاع الداخلي، مما رسّخ طبيعتها بوصفها شكلًا مفتوحًا عصيًّا على التعريف النهائي.

 

ومن القضايا المطروحة أيضًا مسألة الشرعية الشعرية، إذ واجهت قصيدة النثر رفضًا في بداياتها بوصفها خروجًا على القواعد، قبل أن تثبت حضورها عبر نصوص حققت أثرًا جماليًا معتبرًا. يكشف ذلك أن الشعر لا يُحدَّد سلفًا، بل يتشكّل عبر التجربة وقيمة ما يقدمه النص.

 

ويبرز دور اللغة بوصفها مجالًا للتجريب لا مجرد أداة، حيث يجري تفكيك التراكيب المألوفة وإعادة بنائها بطريقة تفتح دلالات جديدة. يمنح ذلك النص كثافة وانفتاحًا، ويزيد في الوقت ذاته من تعقيده بسبب ابتعاده عن المألوف.

 

ومن زاوية أخرى، يناقش الكتاب صلة قصيدة النثر بالتجربة الحديثة، إذ يعكس هذا الشكل طبيعة وعي يميل إلى التشظي وكسر التسلسل، والبحث عن لحظات مكثفة بدل السرد الممتد. وفي هذا الأفق، يتعزز تصور أعمق لطبيعة الشعر بوصفه كيانًا متحوّلًا عبر العصور؛ إذ «إن الشعر أزلي، لكن الوجوه التي يمنحها لنا مختلفة دائمًا، والشاعر يقدم لنا الوجه الأكثر خفاءً وتعقيدًا، والأصدق، من خلال التعبير عن الطموحات العميقة وتحركات الروح الغامضة»(3).

 

 

 

كما تُطرح مسألة التلقي من جديد، حيث يفرض الشكل نمط قراءة يعتمد على التأمل وإعادة بناء المعنى بدل الاكتفاء بالفهم المباشر، فيغدو القارئ شريكًا في إنتاج الدلالة.

 

وفي امتداده إلى الزمن الراهن، يكشف الكتاب عن حالة تحوّل مستمرة، حيث تتغير التجارب وتُعاد صياغة المفاهيم مع كل جيل، بما يمنح القصيدة حيوية وقدرة على التكيف.

 

في ضوء المسار كله، تبدو قصيدة النثر إعادة صياغة لفكرة الشعر، إذ لم يعد الشكل المحدِّد الأساس، بل الطاقة الكامنة في اللغة وقدرتها على خلق تجربة. ومن هذا المنظور يمكن قراءتها بوصفها امتدادًا للشعر، تتبدل فيه الوسائل بينما يظل الجوهر قائمًا في الإيحاء وفتح المعنى وملامسة ما يتجاوز المباشر.

 

الهوامش

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كتاب : قصيدة النثر، من بودلير إلى الوقت الراهن ، ترجمة راوية صادق.

(2) المصدر نفسه، ص: 37.

(3) المصدر نفسه، ص: 41.