
التيه الوجودي وسردية الرمز المكثّف في القصص القصيرة جداً،
قراءة نقدية في عوالم الحلم، الفقد، والزمن...
كريم إينا
صدر حديثاً مجموعة قصصية بعنوان: "عودةُ الجدِّ الكبير" للأديب والكاتب السياسي والصحفي عبد الأمير المجر، من منشورات الإتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق المركز العام – بغداد حجم الكتاب (21 *14 سم) من القطع المتوسط تصميم الغلاف: شروق سمير، عدد صفحات الكتاب (80) صفحة ضمّت المجموعة على (24) قصة قصيرة مع إهداء وسيرة ذاتية للكاتب، تشكل هذه النصوص مجموعة سردية تنتمي إلى فضاء القصة القصيرة جداً ذات البعد الرمزي والفلسفي، حيث يتداخل الواقعي بالغرائبي، ويتحوّل الحدث اليومي البسيط إلى سؤال وجودي عميق. الكاتب لا يروي حكايات بالمعنى التقليدي، بل يبني عوالم مشحونة بالإيحاء، تعتمد على التكثيف، والإستعارة، والإنزياح، وتفجير الدلالة عبر خاتمة صادمة أو صورة رمزية مفتوحة.
إنَّ ما يجمع هذه القصص هو حضور ثلاثة محاور كبرى:
1- التيه الإنساني والبحث عن المعنى.
2- الزمن بوصفه قوة تآكل وفقد
3- الهوية الجمعية والفردية المهدّدة
أولاً- البنية الرمزية والبعد الوجودي
تكادُ جميع القصص تنطلق من موقف بسيط ثم تتضخّم دلالته لتصبح القصة إستعارة كبرى عن الإنسان.
ص 21 في قصة « رحلة العائلة» مثلاً، لا تبدو الرحلة مجرد إنتقال مكاني، بل تتحول إلى رمز للوجود الإنساني كلّه:
/ نحن نبحث عن بيتنا الكبير منذ مدة طويلة /
فالبيت هنا ليس بيتاً مادياً، بل رمز للأصل، للأمان، وربّما للفردوس المفقود أو الهوية الضائعة
العائلة تمضي عبر الأنهار والصحارى دون أن تصل، وكأنّ الكاتب يستعير فكرة الوجود الإنساني بوصفه رحلة بحث أبدية.
ص 60 ويتكرّر هذا المعنى في قصة: «الظل» حيث تتشظّى الإتجاهات وتتناقض الإشارات في
إختلفت علينا الإتجاهات التي أشار إلينا بها كثيرون //
الصحراء هنا ليست جغرافيا، بل فضاء فكري وروحي، والظلال المتبدّلة ترمز إلى الأيديولوجيات والمرجعيات التي يتوهُ الإنسان بينها.
ص 17 هذه النزعة الوجودية تتجلّى أيضاً في «الطوق والفضاء» حينَ يتحوّل فعل القراءة والفلسفة إلى متاهة:
/ إكتشف أخيراً أنّه كانَ يضيف المزيد منها حتى كبلته /
فالأسئلة هنا لا تمنح خلاصاً بل تزيدُ إغتراب الإنسان، وهي فكرة قريبة من القلق الوجودي عند جان بول سارتر وألبير كامو.
ثانياً: تقنية الحلم والغرائبية
تعتمد أغلب النصوص على منطق الحلم، حيث يصبح المستحيل قابلاً للتصديق داخل العالم السردي.
ص10«عودة الجد الكبير» يعود الميت بعد أكثر من قرن، لكن الحدث لا يُقدَّم بوصفه معجزة دينية، بل كحالة إنتظار جماعي تكشف هشاشة العائلة الحديثة وإنقطاعها عن جذورها.
الصورة النهائية مذهلة:
/ ولأنّ رؤوسنا مسكونة بصورة الجد /
فالجد يتحوّل إلى ذاكرة جمعية، إلى موروث يسيطر على الجميع حتى أثناء النوم.
أمّا في «مرآتي في اليوم الخامس» فتتحول المرآة إلى آلة زمن وجودية، يرى فيها البطل مراحله العمرية المختلفة.
المرآة ليست إنعكاساً شكلياً، بل محكمة للذات وذاكرة حية.
ص 29 وفي «رؤوس» يبلغ التخييل ذروته حين تنبت للناس رؤوس إضافية
«رأس بكامل تفاصيله»
الرأس الثاني والثالث يمثلان إزدواجية الإنسان المعاصر:
رأس يقول ما يعتقده، وآخر ما يفرضه المجتمع أو الإعلام أو السلطة.
هنا تتقاطع القصة مع أدب الكابوس السياسي، وتقترب من أجواء فرانز كافكا، خاصة في تحويل الظاهرة العبثية إلى واقع يتقبله الجميع تدريجياً.
ثالثاً: ثيمة الفقد والتحلّل الزمني
الزمن في هذه النصوص ليس زمناً خطياً، بل قوة تلتهم الإنسان ببطء.
ص26 في قصة «الباب الأخير» يبدأ البطل عملاقاً إجتماعياً ثم يتضاءل تدريجياً مع رحيل الأحبة
/ كلّما تحسّسته شعرتُ بأنّي فقدت عضواً منه /
إنّها إستعارة بارعة عن الشيخوخة والوحدة؛ فالإنسان يتآكل بفقد الآخرين لا بفقد الجسد فقط.
ص 24 أمّا «القطار القديم» فيقدم الحياة بوصفها قطاراً مندفعاً، والناس يسقطون منه بإستمرار
/ القطار يواصل سيره من دون أن يبالي /
وهنا تتجلّى رؤية قدرية للحياة؛ فالموت ليس حادثة إستثنائية، بل جزء من حركة القطار نفسها
ص 44 وفي «رحلة البحث عن الأب» يتحول الفقد الشخصي إلى قدر وجودي طويل
«باتت ملامحي تشبهه»
البحث عن الأب هنا بحث عن الذات، عن الأصل، عن المعنى المفقود بعد الحروب.
رابعاً: النقد السياسي والإجتماعي الرمزي
تمتلك النصوص جرأة عالية في نقد الواقع العربي دون خطاب مباشر.
ص 33 في «زمن الفتى الجميل» تتحول متابعة الفضائيات إلى تشوّه جسدي
«أصبحت عيناي كما لو أنّهما مصباحان كبيران»
إنّها إستعارة للإفراط في الإستهلاك الإعلامي الذي يضخم الرؤية السطحية ويشوّه الإنسان نفسياً وفكرياً.
ص 51 وفي «ذئاب بعيدة» يفضح الكاتب سلطة الإعلام وصناعة السمعة
« فضائية النور الجديد بثت فيلماً عنك»
الحقيقة هنا لم تعد مرتبطة بالواقع، بل بما تبثه الشاشات.
ص 40 أمّا « يوم إختفاء الشهود» فتمثلُ إحتجاجاً وجودياً وسياسياً معاً، إذ يتحوّل المتظاهرون إلى كتلة تردّد كلمة واحدة: ( لا )
إنّها صرخة الرفض المطلقة، المختزلة، التي تواجه سلطة غامضة.
خامساً: التكثيف واللغة الشعرية
من أهم ما يُميّز هذه القصص هو الإقتصاد اللغوي العالي
فالكاتب لا يشرح كثيراً، بل يعتمد على الصورة والإيحاء
ص 77 مثل قوله: في « الصياد»
/ أخذت الفلاة تتقلّص تحت أجنحة الظلام /
الصورة هنا شعرية وسينمائية في آنٍ معاً، إذ يتحول الليل إلى كائن ضخم يغطي العالم.
وكذلك في: ص 6 « يوم الإعصار الرهيب»
« أغذي أيامي بطيف أمي»
فالحزن لا يُشرح، بل يُجسّد بصورة حسّية شفافة.
هذا التكثيف يجعل النصوص قريبة من قصيدة النثر أحياناً، ومن الحكاية الصوفية أحياناً أخرى.
سادساً: البناء الدائري والخاتمة المفتوحة
تقوم معظم القصص على:
بداية واقعية أو شبه واقعية
تصاعد غرائبي
نهاية مفتوحة أو صادمة
ص 37 ففي «فقدانات» يكتشف البطل أنّهُ مفقود بينما هو حي بين الناس، وهي خاتمة تعمّق سؤال الوجود الاجتماعي:
هل نحن موجودون فعلاً إذا لم يشعر بنا أحد؟
ص 71 وفي «المخرج» ينقلب المخرج على فيلمه القديم، وكأنّ الزمن أعاد تفسير حياته كلّها
هنا لا تُغلق المعنى، بل تفتحه على تأويلات متعدّدة، وهو ما يمنح النصوص حيوية نقدية.
السمات الفنية البارزة:
1- الرمز
كل قصة تقوم على رمز مركزي:
القطار = الحياة
المرآة = الزمن والهوية
الصحراء = التيه الفكري
الرؤوس = الإزدواجية
البيت الكبير = الأصل أو الخلاص
2- التكثيف
الكاتب يحذف الشروحات ويترك الفراغ للقارئ.
3- النزعة الفلسفية
القصص ليست حكايات فقط، بل أسئلة عن:
الموت، الزمن، الهوية، الحقيقة، السلطة.
4- اللغة الشعرية
الجملة السردية غالباً ذات إيقاع وصورة حسية.
4- التخييل الغرائبي
الأحداث الخارقة تُقدَّم بوصفها عادية، ما يُعمّقُ أثرها الرمزي.
رغم الجمال الفنّي العالي، يمكن تسجيل بعض الملاحظات:
أحياناً يطغي الرمز على الحدث، فيصبح النص أقرب إلى الفكرة المجرّدة.
بعض القصص تتشابه في بنية "الرحلة والتيه"، ممّا يخلق تكراراً دلالياً.
كثافة التأمل الفلسفي قد تُبعد القارئ الذي يبحث عن حبكة تقليدية.
لكن هذه السمات نفسها تمنح النصوص خصوصيتها وتميّزها.
الصورة الحسية تجعل النص حيّاً مثل: " تتقلّصُ تحتَ أجنحة الظلام"
تكشف هذه القصص عن مشروع سردي يقوم على تحويل الواقع العربي والإنساني إلى كوابيس رمزية وأسئلة وجودية عميقة.
إنّها نصوص تشتبك مع: الفقد، الذاكرة، الزمن، السلطة، وتشظّي الهوية.
وهي تقترب في روحها من أدب فرانز كافكا وغابرييل غارسيا ماركيز، لكنّها تحتفظ بخصوصية محلية واضحة تنبع من البيئة العراقية والعربية، بما تحمله من حروب، وتيه، وإنكسارات، وحنين دائم إلى « البيت الكبير» الذي قد لا نصل إليه أبداً.
في ختام هذه القراءة، لا يسعني إلا أن أعبّر عن إعجابي الحقيقي بهذا العالم السردي الذي إستطاع أن يمزج بين بساطة الحكاية وعمق الفكرة، وأن يحوّل التفاصيل اليومية إلى أسئلة إنسانية كبيرة تمسّ القارئ من الداخل.
لقد بدت هذه النصوص وكأنها مرايا متعددة لروح قلقة، تتأمل الإنسان والزمن والفقد والتيه بلغة شفافة ومكثفة، وبخيال قادر على إدهاش القارئ دون إفتعال.
إنّ ما يميزّ هذه الكتابة ليسَ فقط قدرتها على بناء الرمز والصورة، بل هذا الصدق الشعوري الذي يتسلّل بهدوء إلى النفس. فالقارئ لا يخرج من هذه القصص حاملاً أحداثها فقط، بل يخرج مثقلاً بأسئلتها، ومشدوداً إلى ظلالها، وكأنّها تواصل الحياة داخله بعد إنتهاء القراءة.
أرى أن الكاتب يمتلك صوتاً خاصاً وبصمة واضحة، وهذه من أصعب المراحل التي يصل إليها أي قاص. كما أنّ إشتغاله على التكثيف والرمز والغرائبية يمنحه مساحة واسعة للتفرّد إذا واصل تطوير تجربته بثقة وصبر وقراءة مستمرة.
لهذا أقول له بكل محبة ورضا:
إنّكَ لا تكتبُ قصصاً عابرة، بل تبني عوالم كاملة من الحنين والأسئلة والدهشة. إستمر في هذه الرحلة، فهناكَ صوت حقيقي في كتابتك يستحق أن يُقرأ ويُحتفى بهِ، وكل نص جديد تكتبه يبدو كأنّهُ خطوة أخرى نحو مشروع سردي ناضج ومميّز.
حافظ على هذا الشغف، لأنّ الكتابة التي تخرج من أعماق التجربة الإنسانية الصادقة لا تضيع أبداً.
