للذهاب الى صفحة الكاتبة   

"الحزن للاشياء" (قراءة في كتاب "للافق" للكاتبة ليلى عساف)

خديجة جعفر

 

 

صفحات من الشعر النثري تتخطى المئة من الصفحات تتقمص اجنحة فراشة تبحث الابعد من حول شجرة ساكنة، فكانت ولادة: " للافق"، من منشورات ( دار ولسن)، للكاتبة: "ليلى عساف"، والتي خطت حروفه كما لو انها ترسم لوحة تشكيلية مجال فنونها التي نعرف..

 

لم تختر ليلى عساف مفرداتها من قواميس الأحياء، بل كانت مفردات تليق بالموت، فالموتى لا تعنيهم تعقيدات لغوية بقدر ما يصلح لأن تبوح به الأشياء من أثر الفقد، ففي اللغة، بساطة أقرب إلى المحكي من خيارات الإعجاز اللغوي ،لغة الكتاب تنسجم تماما مع روح شجرة ساكنة تمتص الاهوال بصمت الممكن،  بانتظار قطرة الماء لتسترجع ربيعا لن يُرجع العصافير..

 

أفعال المضارع المكثفة، تؤكد مسار تكرار لن يتوقف، وسكون الاعتيادي من المعاش، كانت الحرب وكان الغياب، هي الآن لحظة الحرب وبطاقة تعريف  للغياب، والحرب باقية ولسوف يستمر هذا الغياب.. وحدها التفاصيل تشييئ يمتلك حق التوقف او عبور الزمن التفاصيل والأشياء من تملك استخدام الماضي والمستقبل في رثاء غيَّابِها.. الأشياء لا تحيا بقطرة ماء مزاجية الدرب تخرج من المزاريب أو من اصابع المطر القاصرة لاحياء زهرة تشق الصخر..

 

في اللغة نلحظ غياب الكاتب ايضا، بعد ان امتثلت شجرة ساكنة في مطلع قصائدها، تتلقى كما الأشياء الأثر، دون تدخل، تنتظر قطرات الماء لتنهي كتابها بقصيدة الرجل الهادئ جدا وهو يرتدي لامبالاته الساكنة خاتمة لمسار حرب وغياب وايدٍ لا تتناول غير ما تبقى من أثر..

 

لغة لم تكتبها أصابع، بل الأعين المتاملة، المتابعة لسرد الاثر من رصد الغياب، ليبدو الكتاب أقرب إلى لوحة مرسومة بأصابع الأشياء المُفتقدَة، غياب أصاب الوجود بالخلل ليخصص الحياة للاشياء، الحضور للاشياء ولها الأثر وحزنه، فالاشياء لا تُميتُها مزاجية قطرات الماء، انها تعيش على انشغالات الحاضرين...

 

الغياب مع ليلى عساف، محاط بالغموض، لا يظهر نفسه، لا يتحدث عن نفسه، يترك للاشياء ان تحكيه حين يصبح الموت اعتياديا، نصبح شجر ساكن،نعرف ونرتدي، نموت ونحيا، أو نتحول إلى ما يشبه في الوظائف مكنسة كهربائية تمتص الشوائب من ظواهر الحياة نحو عيش الانتظار لما لن يحضر.

 

ليلى عساف، تنثر التفاصيل الصغيرة للغائبين باعتبارها دلائل الحزن في وطن تَطوَع الموت فيه لاسعاف الخوف من الاحياء. بين موت وحياة، العاب تقترفها قطرة ماء، تهرب من مزاريب لتختبى في جرح صخرة احياءً لزهرة، أو تسقط من اصابع المطر لتعيد الربيع الى شجرة ساكنة، لكنها في الوقت نفسه، عاجزة عن فعل العودة من الغياب للادميين، فتبدو الحياة رهينة قطرات تغادر سكنها من كيس لقطع اللبنة، علقَ على حنفية ماء لا تنزف حياة. الشجرة العارية ليست بفعل موت، انها فعل انتظار ساكن، تنتظر قطرة الماء، وستاتي لإنقاذ ربيعها،بينما الاستكانة للادميين، لتسرد الاثر من موت لا يعود..

 

ما يرتكبه الغياب من إثم مع ليلى عساف، تعاتبنا عليه اشاؤنا الصغيرة، وربما التافه منها، على العزلة المفروضة، فالطشت البلاستيكي سيبقى فوق المغسلة منتظرا اي حضور، ولان الغياب يُشَيؤُنا نغيب في سكون اللامبالاة، فيما تنجو الحيوانات لأنها لا تملك اشياء لسرد الاثر من غُيَّابِها، الديك مواظب في وظيفته، يدور حول دجاجات تنقر الحب، والبقرة المرقطة في مكانها شاهدة على الغيابات المتساقطة، وللسحلية ظل زحفها الذي لا يكتئب، فيما الكواكب والنجوم تشهد دون اعتراض على اندلاعة اقدام الجثث للاعلى من الغائبين غرقا، الصحافة تطالع الاسماء بعد مسح الدماء عن قمصانها البيض، فيما الاسماء طفولة تمازح تلاطم الموج ، وحده الموج من يملك حقيقة الاسماء.

فأي سماء هذه ،لا يمكنها انتشال أقدام الغرقى؟

وماذا سيفيد الصوت من الصراخ بعد؟

 

العين هذه، المتأملة سردا، غامضة كما الغياب تماما، بلا حضور، لا تملك هوية بين تذكير أو تأنيث، وحدها حبات الفاصوليا الغارقة في مرق الاشتياق، تورث الصحن فسح اللقاء للاحبة، فيدلي بشهادة اشتياق انثوي  تبحث الأثر من الغياب كما  تفعل الأشياء تماما، لتخرج الاسئلة من عين التأمل بحثا عن اهلية المصدر من الضوء، فيما الحزن صفة اشياء التي لا تميز ضوء المصابيح من ضوء القذائف، فالأشياء تبحث ما يخصها من ظل الأثر.

 

موتنا خسارة للاشياء لأننا لسنا أجسادا عينية بقدر ما نكون الأثر مما تبقى من أشياء منسية تكنسها عجوز  مثلما تكنس النهارات من أيامها المتبقية...

 

الحزن مع ليلى عساف، ليس حزن الغياب، بل انه حزن الأشياء على ما فقدت من معنى الحضور منا، حزن سيبقى مترسخا، لأن الغياب لايعود...

 

خديجة جعفر

١٧/٥/٢٠٢٦

 

مختارآت من النصوص :

 

من قصيدة :"ما تبقى"

اشياء منسية، طشت بلاستيكي أخضر فوق مغسلة

كرسي ذو ارجل طويلة كنداء خفي

صورة تشي غيفارا وابتسامته الساحرة

وقطرة ماء في مزارب كي اتبعها وادرم ان الحياة تجري واني هباء...

 

من قصيدة :" لوحات للأفق "

من أين ياتي الضوء ؟

من نار حطب

من قمر يحفظ احلامك عن ظهر قلب

من شمس تحشر انفها في كوب شاي

من سنوات أطفال قناديلها

من عيون تحرسك

من نقطة حليب سقطت سهوا من ثدي ام

من صفاء نيتكم

من قذيفة تتجه نحوك؟

يطول الغياب في ضوء شمعة تذوب حتى اخرها...

 

من قصيدة :"داخل الغياب "

أجزاء يحتاجون في جمعها

حكمة كلمات متقاطعة،

للديدان كل الوقت لتجمع اشلاءنا، للنمال ان تخترع بطلا..

النجوم والكواكب متاهبة لمشهد ساق تندلع الى اعلى

ما عاد هناك مدينة

لا بيت ولا صياح ديك

صرخة أخيرة لامرأة تمسك بنهاية ثوب صبي

في مكان قريب جنود يطعنون بكاءه

لا مكان لرثاء

تساقط ما يكفي من  سرب هاربين

كلاب تفكك نباحها

شيء واحد لم يتعجلك...

 

مداخل تزدحم بالهاربين

نبرة الصحافي هادئة

ما هو أكثر وجعا من وردة تفتحت فوق قبر ؟...