
بين الترنيمة والقصيدة: دراسة فنية في مجموعة "عطر بغديدي"
كريم إينا
صدر حديثاً مجموعة شعرية باللغة السريانية للشاعرة هناء قاشا بعنوان: "عطر بغديدي" من إصدارات إتحاد الأدباء والكتاب السريان، تصميم الغلاف ئارام آزاد طبعت المجموعة في مطبعة الدباغ الطبعة الأولى 2026، الكتاب من الحجم المتوسط حمل إهداء لبغديدا مع مقدمة كتبها سيادة المونسنيور الجليل بيوس قاشا، إعداد المجموعة من قبل الشاعر السرياني نوئيل جميل، عدد صفحات الكتاب (76) صفحة، ضمّت على (18) قصيدة.
تبدأ القصيدة الأولى ص 12 بعنوان:" أرخا دبغديدي" حيث تقول: بصخوثا مليلا لبّواثن ربثا حيلي" فرحة ملأت قلوبنا كثيراً" النص يحملُ طابعاً كنسياً سريانياً واضحاً، وفيهِ صور جميلة مثل: "برخا دشلاما" طائر السلام" والإشارة إلى حماية الرب للكنيسة والجماعة، من جهة الشعر والسبك اللغوي هناكَ ترابط ومعنى الإنتقال بينَ الجمل سلس أحياناً، من الولادة، الترانيم، لحد طائر السلام، بعض العبارات قصيرة جداً وأخرى طويلة ومزدحمة الألفاظ، مثل: بقالا عليا زمرهن وصهلهن، فيها نغمة لطيفة، لكن ما بعدها يفقد الإيقاع، أجمل صورة: طوبا لبرخا دشلاما لأنّها مركزّة وواضحة وتحملُ رمزاً جميلاً. بينما بعض الصور تبدو تقريرية من كونها شعرية مثل: مارن ناطر عذتن، وهي عبارة دعائية/ صلاتية جميلة، ممكن أن تصلح هذه القصيدة لتكون نص إحتفالي يُرتّلْ. لما فيهِ من روح إيمانية واضحة، وصور رمزية جميلة لكنّها تحتاج إلى تكثيف لغوي، وفي ص 14 تظهر قصيدة: " أكيتو بريخا" أكيتو مبارك" تقول: بكاوح كلوشا أرعا يرقا وبيبوني كزهيا بكوليهن كوني وكمسقلا نينوي، هذا النص أقوى من النص السابق من جهة الصورة والجو الإحتفالي، وفيهِ روح ربيعية واضحة مرتبطة بأكيتو، وما يزال أقرب إلى الترنيمة الوصفية منهُ إلى قصيدة موزونة محكمة. نرى حركة الربيع: الأرض الخضراء، المياه، الجبال، الطيور، السنونو، الصباح، مثل: أرعا يرقلا صورة حيّة بأجواء أكيتو. هذا التعداد يمنح النص حركة وبهجة. هناك وصف متتابع للمقطع الطبيعي: وطورا عليا/ نهرا كجاري بمايا مليي/ الصور هنا: مترابطة ومتحركة تعطي مشهداً بصرياً واضحاً. وفي ص 17 قصيدة "ناشي دماثا" تقول: ماقدّا لخصاذا دخطّي وصئاري بلطلي ولبودراثا ومبألي بإيداثي مكودشلي". هذا النص عاطفي أكثر من النصوص السابقة، وفيهِ نبرة حنين وأمومة واضحة، لذلكَ أثرهُ الإنساني أقوى، ويبدو أقرب إلى مناجاة أو ترنيمة وجدانية منهُ إلى قصيدة تقليدية. القصيدة تبدأ مباشرة من مركز العاطفة، وهذا يمنحها حرارة إنسانية. مثل: وخبقايخ كها خرتا وأحضنك مرةً أخرى الصورة بسيطة وغير متكلّفة، النص ليسَ وصفاً جامداً، بل حديث مباشر مع الأم: تذكّر، عتاب خفيف، حنين، دعاء وهذا يجعلهُ قريباً من السامع، هناك فيها روح دينية حنونة مثل: يا براتي بصلوثخ تخوري، وكأنّ الأم حاضرة بالصلاة والنور، وهذهِ نهاية تحملُ سكينة. هناك تكرار ما قدّا أكثر من مرّة، ممّا يجعل المعنى لا يتطور كثيراً بعدهُ. بعض المواضع تبدو عامية جداً أو غير مستقرة نحوياً، مثل: لكيذن كمنشيتلي، الإحساس مفهوم، لكن الصياغة تحتاجُ تهذيباً حتى تصبح أكثر شعرية وأقل مباشرة. النص يعتمد غالباً على: المشاعر المباشرة، والحديث الصريح، بدل الصور الشعرية العميقة المبتكرة. مثلاً : لو إستخدمت صورة الليل، أو البيت القديم، أو رائحة الأم، لأصبحَ التأثير الفنّي أعمق. من أجمل الأسطر تأثيراً: وخبقايخ كها خرتا لأنّها بسيطة، صادقة، وتحملُ شوقاً واضحاً دُونَ تكلّف. النص ناجح عاطفياً أكثر منهُ فنيّاً. قوتهُ الأساسية في الحنين، دفء الخطاب، وصدق الشعور. وهناك قصائد أخرى مثل: عوقانا رابا، أوشعنا بروما، بدئرخ وريذن، وخا بنيسن، وخلولا دخثواثا، ورخموثا دقميثا، كل هذه القصائد بكفّة وقصيدة يلبخ لشانن بكفّة، حيث تقول: آنا أجو إتلي خا مندي دأمريخون، بدأمرن شلاما دمارن ودكوليخون، هذا النص أنضج من النصوص السابقة من جهة الفكرة والوحدة، وفيهِ رسالة إنسانية واضحة عن اللغة والمحبة والتكاتف، ويبدو أقرب إلى نشيد جماعي أو ترنيمة قومية/ ثقافية. فكرة القصيدة واحدة متماسكة بدلائل مثل: التحدث باللغة، الإتحاد، المحبة، التعاون وهذا يمنح يلبخ لشانن تماسك أفضل كما تقول: أخني محاكخ بلشانا خليا مخذاذي: نحنُ، نتكلم بلغة حلوة مع بعض، فيها دعوة جميلة ومباشرة، وتصلح للإنشاد الجماعي وتصرّ بقولها: إيذا بإيذا: يداً بيد، عبارة موفقة إيقاعياً ورمزياً، الموسيقى الداخلية يوجد تحسن واضح في الإيقاع عبر تكرار الأصوات: خا، لبّا، لشانن بخذاذي وهذا يعطي النص إنسيابية سمعية، النص يُصرّح بالفكرة مباشرةً المحبة، الإتحاد، اللغة لا يحولها إلى صور شعرية بل أقرب إلى خطاب وجداني منهُ إلى شعر تصويري. مثال: رخيمي لخذاذي، جميلة معنوياً لكنّها تقريرية، هُناكَ غموض تركيبي ودلالي مثل قولها: لشانا ليبي كرما كمحكي الصورة غير واضحة هنا هل المقصود "لغة القلب والعظم يتكلم" أم اللغة متجذرة في القلب، المعنى الشعوري موجود، لكن التركيب يحتاجُ صقلاً. النص يبدأ بقوة، لكنّهُ يبقى على المستوى العاطفي نفسهُ حتى النهاية، فلا توجد ذروة شعرية أو خاتمة مدهشة. أجمل المقاطع والأكثر نجاحاً: إيذا بإيذا دئارخ وبانخ بخذاذي، لأن فيهِ حركة، وروح جماعية، وإيقاعاً سهل الحفظ والإنشاد. النص ناجح جداً كنشيد أو ترنيمة جماعية، خاصةً في المناسبات الثقافية أو المدرسية لأنّهُ واضح، دافيء ، ويحمل رسالة وحدة ومحبة. أمّا كشعر أدبي خالص، فهو يحتاج: صوراً أعمق، ورموزاً أكثر، وتقليل المباشرة، وبناءً تصاعدياً أقوى، أتمنّى لست هناء الموفقية والنجاح وأن تمسك مستقبلاًبأدوات الشعر من حديد لتفاجيء المتلقي.
