للذهاب الى صفحة الكاتب   

وجهة نظر

أسئلة الشعر: مقالات في الفهم والتأويل

(13) لماذا الشعر؟

صالح مهدي محمد

 

ليس سؤالًا عابرًا، ولا ترفًا فكريًا يُطرح على هامش الحياة؛ بل هو سؤالٌ يمسّ جوهر الإنسان، وقلق وجوده، وحاجته العميقة إلى أن يقول ما لا يُقال. لماذا الشعر؟ لأن اللغة، حين تبلغ حدودها القصوى، لا تعود كافية، فتحتاج إلى من يخلخلها، ويعيد ترتيبها، ويحمّل الكلمة ما يتجاوز معناها المباشر. عند هذه الحافة يبدأ الشعر.

 

الشعر ليس تزيينًا للعبارة، ولا مجرّد إيقاعٍ يطرب الأذن؛ بل هو محاولة للإمساك بما يفلت من المعنى، بذلك الجزء الخفي من التجربة الإنسانية الذي لا يُرى بوضوح، لكنه يُحَسّ بكثافة. حين يختبر الإنسان شعورًا لا تفسير له حبًّا مفاجئًا، خوفًا بلا سبب، حنينًا بلا ذاكرة يلجأ إلى الشعر، لأنه لا يشترط الوضوح، بل يمنح الغموض شرعيته بوصفه جزءًا من الحقيقة.

 

نكتب الشعر لأن الواقع، مهما بدا مكتملًا، لا يُشبع الحاجة إلى المعنى. العالم مليء بالتفاصيل، بالأحداث، بالضجيج، لكنه يظلّ مفتقرًا إلى التأويل. يأتي الشعر لا ليصف هذا العالم، بل ليعيد تشكيله: كما يمكن أن يُرى، أو كما ينبغي أن يُفهم. إنه لا يعكس الواقع بقدر ما يعيد خلقه عبر حساسية مختلفة، وزاوية نظر مغايرة.

 

ولأن الإنسان كائنٌ زمني، عالقٌ بين ماضٍ يطارده ومستقبلٍ يقلقه، يمنحه الشعر لحظة توازن نادرة. في القصيدة، يتباطأ الزمن، وربما يتوقف. لحظة شعرية واحدة قد تختصر عمرًا كاملًا من الشعور.

من هنا يبدو الشعر كأنه مقاومة صامتة للفناء: يثبّت العابر، ويمنح الهشاشة شكلًا من البقاء.

الشعر أيضًا أكثر الفنون التصاقًا بالذات. في الرواية يمكن للكاتب أن يختبئ، وفي المسرح أن يتوزع، وفي المقال أن يتوارى خلف الفكرة؛ أما في الشعر فثمة دائمًا انكشاف، حتى لو تلطّى بالرمز. القصيدة تحمل أثر صاحبها: نبرته، قلقه، طريقته في رؤية العالم. لذلك نقرأ الشعر أحيانًا لنعرف الآخرين، وأحيانًا لنعثر على أنفسنا.

 

وهو، في جوهره، تمرينٌ على الحرية. ليس لأنه بلا نظام، بل لأنه يخلق نظامه الخاص. في الشعر تتجاوز الكلمة معناها القاموسي، وتتجاور الأشياء التي لا تجتمع عادة: يتكلم الظل، ويعلو صخب الصمت، ويتحوّل الغياب إلى حضور كثيف. هذه الحرية ليست عبثًا، بل سعيٌ إلى حقيقة لا تُدرك إلا عبر المفارقة والانزياح.

 

ومن جهة أخرى، لا يقتصر الشعر على الفرد؛ إنه ضرورة اجتماعية أيضًا. في لحظات التحوّل الكبرى الحروب، الانهيارات، الثورات يظهر كصوتٍ موازٍ للتاريخ. لا يدوّن الوقائع، بل يسجّل أثرها في الداخل. إذا كان التاريخ يجيب عن سؤال: ماذا حدث؟ فإن الشعر يسأل: ماذا حدث فينا؟

 

وقد يبدو أن الشعر، في زمن السرعة والتكنولوجيا، فقد مكانه. لكن الواقع أن الحاجة إليه تتضاعف. كلما ازداد العالم صخبًا، ازدادت الحاجة إلى صوتٍ داخلي. وكلما تسارعت المعلومات، صار التأمل أكثر ندرة وأكثر ضرورة.

الشعر لا ينافس المعرفة، بل يكمّلها، لأنه يعيد الإنسان إلى مركز التجربة، إلى الإحساس الذي لا يُختزل في بيانات.

 

الشعر لا يقدّم أجوبة، ولا يدّعي ذلك. إنه يوسّع الأسئلة، يعمّقها، ويتركها مفتوحة. قد نخرج من قصيدة دون فهمٍ كامل، لكننا نشعر أنها لامست شيئًا فينا. وهذا “الشيء” هو سرّ ضرورته : منطقة غامضة، لا تُقاس، لكنها تغيّرنا.

 

لماذا الشعر إذن؟

لأننا لا نكتفي بأن نعيش، بل نريد أن نفهم ما نعيشه.

لأننا لا نرضى بالكلمة كما هي، بل نبحث عمّا وراءها.

لأن في داخل كل إنسان مساحة لا يبلغها إلا الإيقاع، ولا تضيئها إلا الصورة.

الشعر، في النهاية، ليس إضافة إلى الحياة، بل أحد أشكالها العميقة. هو الطريقة التي يقول بها الإنسان: أنا هنا… أشعر، وأحاول أن أقول ما لا يُقال.