
قصة/ إعتذار باختين
بمناسبة مايو شهر القصة القصيرة
كواكب الساعدي
إعتذار باختين
في شتاءِ مدينةٍ فرانكوفونية، كانت هناك مُجادلةٌ علت أصواتُها لتصل إلى أبعد جار. كان الحوارُ مُنزلقاً نحو الخصام؛ فعاتبتْه وقد غطى غبارُ الدمعِ وجهَها:
• "أهكذا تقرر الامتيازاتُ الذكوريةُ مصيرَنا وحدك؟"
قال لها: "إنه عرضٌ سخيٌّ لم أحلم به طوال عمري، وسأرسل في طلبك، صدقيني، أريد أن أختصر طريق الأحلام لكلينا، سنصنع شيئاً مميزاً معاً".
ردّت متأملةً في الجولة الأخيرة: "الغربةُ موتٌ آخر، ألا تصدقني؟ لنبدأ من أول السلم، فعندنا ما يكفي".
جهز أمتعته وصار الرحيلُ أمراً واقعاً، حتى "باختين" – الذي لم تكتمل قراءتُه – أخذه معه، وأخذ أحلامهما، بل اقتلع أجزاءً منها – أو كلها – من مكانها، لتظل من بعده شجرةً خاوية، كعودِ ثقابٍ مشتعلٍ سرعان ما انطفأ.
أطرقت متسائلة: "أهكذا يُلغي كل شيء؟". لا تدري لِمَ ازدردت ريقاً مالحاً في هذه اللحظة التي تثير فيها القرف من كل شيء. أراد أن يحمل صورةً مؤطرة لها لتكون سلوى لمنفاه، لكنها في سورة غضبها رمت بها أرضاً، فتناثرت أطرها وتبعثرت ملامحها. لم يقابل ثورتها بثورة؛ لعلمه بمقدار حبها، لكنها لم تكن تعي أنه كان ممزقاً بين خوض غمار المجهول وبين فراقها الذي لم يألفه من قبل.
الآن، وهي تُحكم المعطف الثقيل حولها لشراء الصحيفة الصباحية وبعض التزاماتها اليومية، رددت مع نفسها بسيلٍ من الهذيان: "إن بقيت هنا سأصاب بلوثة، سأخرج، عسى الفضاء الخارجي يغسلني من رمادي". لاحت لمحةٌ منها في المرآة المعلقة عند مدخل الباب: "أوه! كم هرِمتُ؟ كم استباح الانتفاخُ مساحاتٍ واسعةً من عيوني؟". زمّت شفتيها بعنادِ المُكابر: "لم يعد شيئاً يعنيني؛ لِمَ الجمال؟ فلقد رحل".
كان الطقسُ مرعباً ببرودته في الخارج، والشارعُ خلا من المارة. الثلج صنع مظلةً للأشياء التي ظلت واقفةً بإصرار. احتقنت وجنتاها، علا دُخانُ زفيرها، وطقطقت أسنانُها وعظامُها في "أوركسترا" متعاقبةٍ متتابعة، لكنها كانت مصممةً على أن تسلك الطريق لآخره، لعل الغضب الكامن داخلها يتفرق على السبل تحت أقدامها. رددت بحزن: "كم أفتقد أيام الصيف الدافئة.. كاذبٌ ومنافق! كيف كان يقول بأنك امرأةٌ استثنائية، ولا أحسن التنفس إلا في محيطك؟ كلهم كاذبون ومنافقون وأنانيون".
انتبهت لرنة صوتها، تلفتت، فإذا بشابٍ في مقتبل العمر، من أهل الدار، ينبثق لها من منعطف الطريق وكأنه القدر، وبلكنةٍ مهذبة احتفى بها بوردةٍ حمراء؛ لم تره سابقاً، لكنه كان يؤدي حركته كأنه في صلاة، فانحنت أمامه وقبلت وردته بصدرٍ رحب وابتسامةٍ مُغتصبة.
تساءلت بحنق: "لِمَ الفرانكوفيون مهذبون هكذا مع النساء؟".
بدا لها أن السلام ينمو بداخلها رويداً رويداً، تبدّل مزاجها، وامتلأت شغفاً إلى الانطلاق نحو تغيير واقعٍ فُرض عليها، فكان البحرُ الصديقَ الذي يصغي ولا يفصح. نزعت دثار رأسها رغم البرد، تبعثرت خصلاتها، وكان البحر الذي نامت على صفحته مرايا من الثلج، ونوارسه البيضاء، وسفنه التي تبحث عن المراسي؛ سمفونيةً شديدة الإبهار، لوحةً لم يبتدعها فنان. تنفست بعمق، غرفت بخياشيمها كل نسيم البحر، فانتعشت. أحست أن النوارس وحوريات البحر أترابُها، وأن البحر ملكُها وحدها، هناك شعرت بالحميمية لكل ما حولها. اعتزمت الإياب، وعادت شَرِِهةً للحياة.
رفعت سلسلة مفاتيحها، دخلت، عبقت بأنفها رائحةٌ تعرفها، لمحت انعكاس وجهها على المرايا؛ كان نضراً وعيونها تتلألأ ببريق خلاب، لكن ما وجدته من آثارٍ تعرفها أنساها كل ما علق بها منذ لحظات. ها هو "باختين" الذي أخذه، منسدلاً على المنضدة، ورائحة قهوة تعبق في المكان – لا يتقن صنعها إلا شخصٌ واحد في هذا الكون الشاسع – وباقة قرنفل غاية في التنسيق، أُهديت لها في أعياد ميلادها، وأشياء صغيرة غادرت أمس عادت لأماكنها؛ كلها كانت تنم عن الاعتذار.
التفتت للمشجب، لم يكن معلقاً عليه أي قطعة ثياب.
"أنّى حدث هذا كله؟ من أين أتت هذه الأشياء؟" ولم يكن سواها في المكان. لم يكن سوى تفسيرٍ واحدٍ لهذه الألغاز: هو أن الذي استثناها من كل نساء الأرض عائدٌ لا محال. رقص قلبها، ارتعشت، دارت حول نفسها: "ماذا أفعل الآن؟". وبموجة هياج همّت بالخطى كطفلةٍ في عيد لتعدل زينتها وتلقاه.
انتهى
** ميخائيل باختين
فيلسوف ومنّظر روسي من كتبه شعرية ديستوفسكي

