للذهاب الى صفحة الكاتب   

سلطة النص وسلطة الواقع: جدلية الفكر والممارسة عند المثقف

صالح مهدي محمد

 

 

يتحرك المثقف بين قوتين تتنازعان حضوره وتوجهه؛ قوة النص بما يحمله من تراكم رمزي ومعرفي، وقوة الواقع بما يفرضه من اشتراطات يومية قاسية ومتحركة. وبين هاتين السلطتين لا يعود التفكير فعلاً محايداً، بل يصبح مجالاً للتوتر الدائم، حيث لا يكتفي المثقف بتأمل العالم من علٍ، بل يجد نفسه منخرطاً في مساءلة ما يقرأه وما يعيشه في آن واحد.

 

النص يمنح المثقف شرعية الانتماء إلى فضاء المعرفة، فهو ذاكرة ممتدة للأفكار والتجارب والرؤى، ويبدو أحياناً كأنه سلطة مكتفية بذاتها، تفرض منطقها الخاص وفق إيقاعها الداخلي. غير أن هذه السلطة لا تظل مكتملة ما لم تلامس الواقع، لأن المعرفة التي تبقى داخل حدود اللغة وحدها تتحول إلى خطاب مغلق، يفقد قدرته على التأثير ويغدو أقرب إلى التأمل المجرد منه إلى الفعل.

 

في المقابل، يفرض الواقع منطقه ، فهو لا ينتظر تأويلات المثقف ولا ينسجم بسهولة مع يقينيات النصوص. هنا يتكشف التباين بين ما يُقرأ وما يُعاش، بين ما يُفترض وما يحدث فعلاً. وهذا التباين يضع المثقف أمام سؤال صعب: هل يظل وفياً لسلطة النص بما تحمله من ثبات نسبي، أم ينحاز إلى حركة الواقع بما تحمله من اضطراب وتبدل مستمر؟

 

المثقف الذي يكتفي بالنص دون أن يختبره في الحياة اليومية يتحول إلى شاهد بعيد عن مجرى الأحداث، بينما المثقف الذي ينغمس في الواقع دون سند معرفي يفقد القدرة على الفهم العميق لما يجري حوله. ومن هنا تتجلى الجدلية الحقيقية، حيث لا يمكن فصل الفكر عن الممارسة، ولا يمكن منح أحدهما تفوقاً مطلقاً على الآخر.

 

وتزداد هذه الجدلية تعقيداً حين يكتشف المثقف أن الواقع نفسه ليس كتلة صلبة يمكن الإمساك بها بسهولة، بل هو مجال متغير تتداخل فيه المصالح والتمثلات والانفعالات، ما يجعل قراءته خاضعة لإعادة نظر دائمة. عند هذه النقطة لا يعود النص مرجعاً نهائياً، بل يصبح أداة مفتوحة لإعادة فهم ما يتبدل باستمرار، وكأن العلاقة بين الطرفين تتحول إلى حركة ذهاب وإياب لا تستقر على صيغة واحدة.

 

كما أن حضور المثقف في هذا التوتر لا يقتصر على التفسير فقط، بل يمتد إلى مساءلة ذاته أيضاً، لأن موقعه بين النص والواقع يجعله عرضة لاختبار مستمر لقدرته على التوازن. فكل انحياز حاد نحو أحد الطرفين يعيد صيرورة رؤيته بطريقة قد تبعده عن جوهر الفهم الذي يسعى إليه، لذلك تبدو مهمته أقرب إلى إدارة هذا التوتر بدل محاولة حسمه.

 

هكذا يصبح الاشتغال الفكري فعلاً مفتوحاً على الاحتمال، لا يستقر على يقين نهائي، بل يظل مشدوداً إلى حوار مستمر بين ما تقوله المعرفة وما تفرضه الحياة، وبين ما يتيحه النص وما يكشفه الواقع من أسئلة لا تنتهي.