
قصيدة نثر/ رحلتَ مبكراً
صالح مهدي محمد
إهداء:
"إلى العتبةِ التي جفَّ عليها أثرُ ملامحِك، ونمتْ على حوافِّها أعشابُ وجعٍ غضٍّ.. لقد كنتَ عزيزَ قلبي، غيرَ أنكَ رحلتَ."
رتبتَ حقائب الوجدِ على عجل،
ولم تترك للباب فرصةً لكي يودع مقبضه.
رحلتَ مبكراً...
قبل أن تنضجَ استعاراتُ المساء،
وقبل أن يخلعَ الشتاءُ معطفه الرمادي على عتبةِ الصيف.
لم يكن رحيلكَ خطاً مستقيماً في دفتر الأيام،
بل كان انحناءةً مفاجئةً في عمودِ الوقتِ الفقري.
لقد كَسرتَ ساعةَ الرمل،
فحططتَ على كتفِ الغيبِ كعصفورٍ فرَّ من قفصِ الجهات.
كفت الشبابيكُ بعدك عن مراقبة الشارع،
وأغلقت رموشَ خشبِها على بياضِ الأثر،
بينما أُصيبت المرايا بالزهايمر العاطفي،
فلا تتذكر وجهاً مرَّ بها سوى ملامحكَ الهاربة.
أما الفراغُ فلم يعد مساحةً فارغة،
بل صار كتلةً من الإسمنتِ المغزولِ من تناهيدك الأخيرة.
كيف أقنعُ القهوةَ أن تُصلحَ مزاجَ الصباح،
والصباحُ نفسُه سقطَ سهواً من أجندةِ حضورك؟
الزمنُ بعدكَ لم يعد يمشي إلى الأمام،
لقد تحول إلى بركةٍ راكدةٍ من الدقائقِ المتعثرة،
نرمي فيها حصى الذكريات، فلا تُحدثُ سوى دوائرَ من الوجعِ المتجمد.
يقولون "رحلَ مبكراً"،
ولا يعلمون أنكَ أخذتَ معكَ نصفَ الأبجدية،
وتركتَ لنا الحروفَ الصامتةَ التي لا تجيدُ الصراخ.
الرئتانِ اللتانِ كانتا تشربانِ ضحكتَك،
تتنفسانِ الآنَ غباراً من غيابك.
إن الفقدَ ليس غيابَ جسد،
بل هو إعادةُ هيكلةٍ للكونِ بحيثُ يصبحُ كلُّ شيءٍ مؤشراً إليك،
ولا شيءَ يلمسُك.
نظرتُ إلى مكانِكَ الشاغر, فوجدته ينمو...
يكبرُ كعشبةٍ بريةٍ سامةٍ تأكلُ من أطرافِ الغرفة.
الكرسيُّ الهزازُ لم يعد يهتزُ بفعلِ الهواء،
إنه يرتجفُ من بردِ أحاديثك،
فكرة أنكَ صرتَ صوتاً في حنجرةِ الصدى،
ورَسماً في ذاكرةِ الجدارِ الذي آيلٌ للسقوط.
لماذا استعجلتَ قطافَ نفسِك؟
هل كانت الأرضُ ضيقةً إلى هذا الحد،
أم أنَّ السماءَ فتحت نافذةً سريةً لم يلمحها غيرُ كحلِ عينيك؟
لقد تجاوزتَ إشارةَ العمرِ الحمراء،
وعبرتَ إلى الجهةِ الأخرى دون أن تفحصَ بريدَ العشاقِ الذي تركتَه خلفك.
تغيرت ملامح الأشياء في دمي؛
الكلام الذي كان مجازاتٍ طائرة وغزلاً مكثفاً،
صار حبراً جافاً واستغاثةً في بئرٍ مهجورة.
والبيت الذي كان مأوى للدفء وضجيجاً أليفاً،
أصبح متحفاً للظلال وبارداً كرخامِ القبور.
حتى الأمل الذي علقناه قنديلاً على الشرفة،
تذرّت به رياح الحقيقة المرة ليغدو رماداً.
والأرصفةُ التي مشيتَ عليها،
أصبحت ترتفعُ كالأمواجِ لتمنعَ السائرين من تقليدِ خطواتك.
لقد طبعتَ بصمتَكَ على الهواء،
فصار الهواءُ ثقيلاً، نبتلعه كالغصّة، ونخرجه كالآه.
أيها الراحلُ قبل تموزِ المواعيد،
وقبل أن نقتسمَ رغيفَ الحكايةِ الأخير،
أورقت عيناك في غيم الوداع وعم السكون.
أفتشُ عنك في تجاعيدِ أيدي الأمهات،
في السطورِ التي شُطبت من دفاترِ الشعراء،
وفي الغيمِ الذي يرفضُ أن يمطر، لأنه يخبئُ دمعتك.
لقد كنتَ فكرةً أسرعَ من أن يستوعبَها جسد،
لذا انسكبتَ كالنورِ من شقوقِ الطين،
وعدتَ إلى منفى الانتظار الطويل.
الآن، وأنا أقفُ على أطلالِ صوتك،
أحاولُ أن أرممَ المشهدَ بمجازٍ جديد:
أنت لم ترحل مبكراً...
بل نحنُ الذين تأخرنا كثيراً في غيبوبةِ البقاء.
أنتَ سبقتنا إلى اليقظة،
وتركتنا نلهو بألعابِ الوقتِ الخشبية.
نمْ أيها المسافرُ المستعجل،
فقد أغلقتُ خلفكَ أبوابَ التمني،
وعلقتُ اسمَكَ لافتةً على مدخلِ الليل:
"هنا مرَّ قطارٌ من السحر، ولم ينتظر المحطة."
سأظلُّ أجمعُ شظايا ضحكتِكَ من زوايا البيت،
وأصنعُ منها عقداً أطوقُ به عنقَ هذا الغياب الأبدي.
