
وجهة نظر
أسئلة الشعر: مقالات في الفهم والتأويل
(16) من المكمن إلى القصيدة: مخاض تجلي الهوية الشعرية
صالح مهدي محمد
لا يولد الشاعر وهو يحمل يقينًا كاملًا بجوهره، بل يمرُّ، غالباً، بمرحلة مخاض؛ وعلى ضوئه تُبنى العلاقة باللغة في منطقة ما وراء الوعي، حيث تبدأ هذه العلاقة بانجذاب غامض وعصيّ على التفسير نحو الكلمات؛ نحو جرَسِها، وطريقة تموجها، والإحساس العميق الذي تتركه في الروح بعد الصَّدَى. وفي هذه المرحلة البدئية، لا يكون الشاعر قد وضع يده على ماهيته بعد، بل يكون في طور التكوين، حيث تتجمع الإشارات الشاردة دون أن تجد لها تفسيرًا منضبطًا، تمامًا كبذور تنتظر المطر تحت أرض الصمت، لتخرج من مكمنها إلى فضاء الظهور.
ويأتي الاهتداء الذاتي عادة في لحظة سحرية تتقاطع فيها التجربة الحياتية مع الوعي الذاتي، حين يكتب الفرد نصًا فيشعر -فجأة- أن شيئًا غير مألوف قد حدث، وأن الكلمات لم تعد مجرد قوالب جامدة للتعبير أو أدوات لنقل المعنى، بل تحولت إلى كائنات حية، تُنبئ عن أسرار لا يملك الشاعر نفسه مفاتيحها كاملة. إنها اللحظة الفاصلة التي يتبين فيها الكاتب أن النص أصبح يحمل أكثر مما أراد قوله، وهي لحظة لا تأتي دائمًا بِصَخَبٍ أو كصاعقة حاسمة، بل كهمس يترك أثرًا لا يُمحى، وإحساسًا بوجود طاقة كامنة تتطلب الرعاية، لتتحول الكتابة من مجرد فعل عابر إلى مأوى دائم ومساحة أبدية للرجوع والتأمل.
هذا الانبثاق لا ينبع من محبرة الكتابة فحسب، بل يَقْتَاتُ مِنْ توالي القراءة أيضًا؛ فعندما يتجول الشاعر في حدائق النصوص الأخرى، يرتطم فجأة بما يشبهه، أو بما يفتح أمامه أفقًا مشمسًا لم يعهده من قبل. والقراءة هنا لا تقدم له نموذجًا جاهزًا للتقليد أو صنمًا للمحاكاة، بل تعمل كمرآة صقيلة يرى فيها ملامح إمكانياته الذاتية، ويقيس عليها حرارة تجربته الخاصة، ليتعلم من الآخرين كيف يتلمس طريقه نحو الخلود الفني، وكيف يمكن للغة أن تكون شاسعة ومطواعة بين يديه.
وفي هذا المخاض الوجودي، يرى الشاعر أن هويته ليست ابتكاراً للمستقبل بقدر ما هي استعادة لأصالة السلالة؛ إنها نبشٌ في الذاكرة المنسية، وتصالحٌ مع تلك الأصوات البدائية التي سكنت طفولته البعيدة وأحلامه الشاخصة. فالنص الحقيقي هو الذي يوقظ بداخل الكاتب ذلك "الإنسان الفطري" الذي يرى الأشياء لأول مرة، فيعيد تسمية المسميات بجرأة تكسر رتابة الواقع. هنا، تلتقي الهوية الفردية بالهوية الإنسانية الشاملة، حيث يجد الشاعر أن همومه الشخصية وعثراته ليست سوى تنويعات على لحن بشري قديم، وأن قصيدته لا تبدأ من الصفر، بل هي امتداد لركائز من الوجد والآلام التي رصفها الأسلاف في وديان الحيرة الكبرى.
غير أن اهتداء الشاعر إلى هويته الحقيقية لا يعني قط مرافئ الوصول، بل هو صافرة البداية لمسار طويل وشاق، تُختبر فيه هذه العلاقة وتتموج عبر الزمن؛ ففي البدايات، يتلفع الوعي الجديد برداء الحماس الطاغي، والرغبة العارمة في التدفق المستمر لإثبات الجدارة وتأكيد الوجود، ولكن مع مرور الوقت، يخمد هذا الهياج الخارجي ليبدأ الشاعر في مواجهة تحديات أكثر عمقًا وضراوة، تتجلى في كيفية تطويع اللغة دون أن تبتذله، والحفاظ على نبض الصدق الحر في عروق الحرف، والاستمرار في العطاء دون الوقوع في فخ التكرار والاجترار.
ومن جهة أخرى، قد يتأخر هذا التَّحَقُّقُ الذاتي كثيرًا، فيكتب المرء لسنوات، ويقيم في ظلال القصيدة، دون أن يجرؤ على منح نفسه لقب الشاعر؛ إما ترفعًا, أو بسبب شك معرفي نهش صدره، أو لمقارنة نفسه بقمم شعرية شاهقة، أو ربما لامتلاكه تصورًا مثاليًا ومقدسًا لماهية الشعر. وفي هذه الحالة، يتسلل الوعي بالذات وئيدًا، عبر تراكم النصوص النضرة، وعبر الإدراك المتأخر بأن الكتابة لم تعد نشاطًا هامشيًا في يومه، بل غدت شريانًا أصيلًا يغذي وجوده بأكمله ويمنحه مبرر البقاء.
ويرتبط تبصّر الشاعر لنفسه بمدى قدرته على الإصغاء الداخلي؛ أي الانتباه الذكي لصوته الخاص وسط ضجيج السائد، وتأمل الطريقة الفريدة التي يرى بها العالم ويترجم بها انفعالاته. وهذا الإصغاء لا يُنال بالبساطة، بل يتطلب عزلة منتجة، وتجربة تنضج على مهل، وتحررًا شجاعًا من سلطة الإملاءات الخارجية والقوالب الجاهزة التي تحاول تدجين الحرف وتوجيه مسار الحبر. وفي مستوى أكثر عمقاً، يمكننا القول إن الشاعر يلمس أبعاداً حقيقية حين يدرك أن الكتابة ليست ترفًا شكلانيًا، بل هي أداة وجودية للفهم؛ وسيلة لسبر أغوار الذات وإعادة ترتيب فوضى العالم من حوله. وفي هذه اللحظة الوجودية، تتحول الكتابة من حيز الخيار المتاح إلى الضرورة الحتمية، لأن الشاعر يشعر، بِإِيمَانٍ غامض، أن كل ما لا يُكتب يظل قاصر التكوين، ومبتورًا في وعي الوجود.
ومع ذلك، فإن هذا التجلي ليس معصومًا من الزلازل، إذ كثيرًا ما يتعرض للاهتزاز بفعل لحظات الشك الوجودي والقفار الإبداعي، حين يتساءل الشاعر في عزلته عن جدوى ما يكتب، وعن قيمته في هذا العالم الصاخب، وعن موقعه من خارطة الجمال. هذه الارتجافات الداخلية لا تلغي الإنارة الأولى بل تعمقها وتصقلها، لأنها تدفعه دفعًا إلى هدم البنى القديمة، والبحث عن نوافذ أعمق، وتجديد مبررات كينونته الفنية وروحه المبدعة.
إن بلوغ هذه المرتبة من الوعي يضع الشاعر وجهاً لوجه أمام جدلية الموت والخلود; إذ يستحيل الحرف عنده درعاً لمقاومة الفناء، وحيلة ذكية للبقاء حياً في ضمير الغيب. فعندما ينجح الكاتب في تشكيل هويته النوعية، يصبح قادراً على تحويل اللحظة الزائلة إلى أثر أبدي، وتجسيد العابر واليومي في قالب كوني يتجاوز حدود الجسد والزمن. الهوية الشعرية الناضجة هي تلك التي لا تنتهي بانتهاء القصيدة، بل هي التي تترك خلفها فراغاً مشعاً يدعو القارئ لملئه، لتتحول القراءة ذاتها إلى فعل شراكة في الوجود، يمتد به عمر الشاعر إلى حيوات أخرى لم يعشها، ولكن نصوصه أثثت ممراتها.
ومن الملامح الجوهرية في هذه الرحلة، أن التحقق الأدبي لا يرتهن بالضرورة بالاعتراف الخارجي أو صكوك الغفران من المؤسسات النقدية والجمهور؛ فقد يُطبع اسم الكاتب على الأغلفة ويُحاط بالمديح والجوائز، لكنه في داخله يعيش غربة موحشة ولا يشعر بأنه لامس جوهر الشعر، وعلى النقيض تمامًا، قد يكتب شاعر في عتمة الصمت، بعيدًا عن الأضواء، لكنه يمتلك يقينًا ساطعًا بهويته. فالاعتراف الخارجي قد يكون صدىً مريحًا، لكنه لا يصنع الشاعر، لأن النواة الحقيقية تكمن في تلك العلاقة السرية والخاصة جداً بين أصابع الكاتب وبيادق اللغة.
إن الوصول الحقيقي ليس محطة نهائية يستريح فيها المسافر، بل هو صيرورة متجددة تتولد مع كل قصيدة جديدة، ومع كل تحول في الرؤية الإنسانية، وهذا التجدد الدائم هو ما يحمي هوية الشاعر من التكلس والتحنط، ويجعلها في حالة سيولة وحركة مستمرة. إن تبين الشاعر لنفسه شاعرًا ليس إعلانًا مفاجئًا أو مرسومًا يُقرأ لمرة واحدة، بل هو مسار يتخلق من مزيج التجربة والوعي، من صراع الشك واليقين، ومن حوارية الكتابة والقراءة؛ إنه لحظة تولد لتبقى مفتوحة على اللانهائي، تعيد تعريف نفسها مع كل فجر جديد، في علاقة أبدية بين الذات واللغة، وبين ما يُحسّ في الروح وما يُسكب على الورق.
