للذهاب الى صفحة الكاتب   

وجهة نظر

أسئلة الشعر: مقالات في الفهم والتأويل

(17) ماذا أخذنا من الشعر؟

صالح مهدي محمد

 

حين نلتفت إلى الوراء، ملقين نظرة فاحصة على تاريخنا الإنساني الممتد عبر القرون، نجد أن العلوم التجريبية قد بنيت لنا بيوتاً تقينا تقلبات الطبيعة، وأن الطب قد طبّب لنا أجساداً أضناها المرض، وأن التكنولوجيا الحديثة قد اختصرت لنا مسافات الأرض وجعلت العالم المتناثر قرياناً متصلة، لكن ثمة سؤالاً جوهرياً يلوح دائماً في أفق الوجدان البشري، معلناً عن نفسه بكثير من الإلحاح، وهو ماذا ترك لنا الشعر، أو بالأحرى، ماذا أخذنا نحن من الشعر طوال تلك الرحلة الشاقة؟ لعل البعض يظن، في غمرة الحداثة والركض خلف الماديات، أن الشعر ليس سوى ترف لغوي قديم، أو ديباجة منمقة يُزجى بها الوقت في مجالس السمر والبهجة، إلا أن اليقين المستقر في عمق الوعي الإنساني يؤكد أننا لو جردنا الذاكرة البشرية من قصائدها، وأسقطنا الأبيات من دواوين الزمان، لاستيقظنا جميعاً على عالم شاحب، جاف الملامح، ومنزوع الروح، عالم تتحرك فيه الأجساد بآلية صماء دون أن تدرك كنه وجودها؛ إن ما أخذناه من الشعر يتجاوز بكثير مجرد أوزان وقوافٍ تضبط الإيقاع الخارجي للكلمات، بل إننا أخذنا منه جوهر هويتنا، وبوصلة مشاعرنا المفقودة، والمرآة الصافية التي تعكس حقيقة وجودنا الإنساني بكل تشظياته وتحولاته.

 

إن أول ما أخذناه من الشعر هو مستودع الهوية وتاريخ القلوب الحقيقي، فحين يقال تاريخياً إن الشعر هو ديوان العرب، فإن الحقيقة المعرفية تمتد لتجعل من الشعر ديوان الإنسانية قاطبة بلا استثناء، فمنذ ملحمة جلجامش السومرية وإلياذة هوميروس الإغريقية، وصولاً إلى المعلقات العربية المتكئة على أستار الكعبة، وصعوداً إلى روائع الأدب العالمي والعربي في العصر الحديث، لم يكن الشعر مجرد ناقل للأخبار، بل كان حارساً أميناً للذاكرة الوجدانية؛ فالأمم لم تأخذ من قصائدها أسماء المعارك والملوك والانتصارات العابرة فحسب، بل أخذت منها الإجابة الشافية عن سؤال كيف كان يشعر الإنسان في تلك الأزمنة السحيقة، فبينما يكتفي المؤرخ برصد ماذا حدث بدقة باردة، يأتي الشاعر ليكتب بدم قلبه ما الذي شعرنا به وحلّ بأرواحنا حين حدث ذلك، ولعلنا اليوم نعرف حزن الأندلس وسقوطها المأساوي من نونية أبي البقاء الرندي العابرة للأجيال أكثر بكثير مما نعرفه من كتب التاريخ الجافة المصطفة على الرفوف.

 

وإلى جانب التوثيق التاريخي، فقد أخذنا من الشعر لغة ثانية بديلة، لغة قادرة على صياغة المشاعر المستعصية التي تقف الكلمات اليومية العادية عاجزة أمامها، فكم من مرة داهم الإنسان حزن مبهج غامض، أو فرح شجي مشوب بالخوف، أو اغتراب حاد وهو يعيش بين أهله وعشيرته، فتعثر لسانه في وصف ما يجد، وهنا تحديداً يأتي دور الشعر بوصفه الأداة السحرية لتسمية اللامسمى، فالشاعر في جوهره هو ذلك الشخص الذي يملك المفتاح السري لغرفة مشاعرنا المغلقة، فيقول في بيتين موجزين ما نعجز عن شرحه في دهر كامل، ومعه نلنا أثمن مواساة يمكن أن يحظى بها مغترب في هذا العالم، فالعلاقة بين القارئ والقصيدة التي كُتبت قبل مئات السنين هي علاقة تواصل عابرة للزمن، تمنح الإنسان ذلك الشعور الدافئ بأنه ليس وحده في هذا الألم، وأن هناك أخاً له في الإنسانية قد بكى ذات يوم النحيب نفسه وتجرع الغصة ذاتها.

 

ويمتد أثر الشعر ليكون بمثابة المهذب الأول للوجدان البشري والمربي الأساسي للذوق العام، فالشعر لم يكن يوماً رصفاً عشوائياً للكلمات، بل هو هندسة دقيقة للمشاعر وصقل للملكات الإنسانية، ولذلك جاء في الأثر أن من البيان لسحراً وإن من الشعر لحكمة، حيث أخذت البشرية من القصائد منظومتها الأخلاقية وقيمها العليا، فتعلمت كيف يكون الفخر عزةً دون ابتذال، وكيف يكون المديح تقديراً للفضل دون نفاق، وتعلمت من خلاله كيف تحب برقي، وكيف تغار بنبل، وكيف ترثي برضا وصبر، فالشعر هو الذي صقل الذوق البشري وجعل الإنسان كائناً يرتعش لمرأى الجمال ويأنف من القبح، ولولا هذا التهذيب المستمر لغلبت على المجتمعات غلظة الطباع وقسوة الحياة المادية التي تجفف منابع الرحمة واللطف في النفوس.

 

ولم يقف الشعر يوماً في برج عاجي بعيداً عن هموم الناس، بل أخذنا منه جذوة الثورة وصوت الحرية والأمل النابض في عروق الشعوب، فقد كان دائماً هو الوقود الذي يشعل الثورات في وجه الظلم والمطرقة التي تهدم عروش الطغاة، إذ يحول الصمت الخائف القابع في الصدور إلى صرخة مدوية تصدح بها الحناجر في الميادين، ويمنح المستضعفين والمظلومين إيماناً راسخاً بحتمية الفجر، مخلداً في الوقت ذاته سيرة الشهداء الذين قضوا في سبيل مبادئهم لتبقى ذكراهم حية تتناقلها الأجيال كأنشودة كفاح لا تموت بموت صاحبها، فيغدو الشعر هنا هو الملاذ الأخير للشعوب عندما تضيق بها سبل الواقع وتكبلها قيود الاستبداد.

 

فقد أخذنا من الشعر طاقة مجازية هائلة غيرت نظرتنا بالكلية إلى هذا الكون الفسيح، فلولا الشعر لكان الكون من حولنا مجرد معادلات فيزيائية جافة، ورياضيات معقدة، وصخور صماء لا حياة فيها، لكن الشعر أعطى الإنسان عيناً ثالثة يرى بها الوجود على حقيقته الجمالية، فصار يرى في قطرات المطر دموع السماء الشاكية، وفي اصفرار الخريف كبرياء الأشجار التي تتخلى عن زينتها لتولد من جديد، وفي ظلام الليل ثوباً فضفاضاً يستر أسرار العشاق ويسلي قلوب الساهرين، فالمجاز الذي أخذناه من الشعر هو الباب الملكي للخيال البشري بأسره، وبدون هذا الخيال المتقد الذي غدا الشعر راعي الأول، لما استطاع الإنسان أن يخترع، أو يبتكر، أو يتجاوز واقعه الضيق إلى رحابة الآفاق المستقبلية.

 

إفلم نأخذ من الشعر كلمات منظومة لنحفظها في الصدور أو نزيّن بها السطور، بل أخذنا منه طريقة كاملة لنحيا بها، ومسافة آمنة تفصل بين واقعنا القاسي بكل مراراته وحلمنا الممكن بكل تجلياته، ونحن اليوم مدينون لكل شاعر جلس في عتمة الليل تحت ضوء شمعة خافتة، أو في عتمة زنزانة ضيقة، أو بين أشجار حديقة غناء، ليعتصر من روحه كَلِمة تداوي وعثاء الطريق للبشرية جمعاء، حيث نلنا منهم دواءً لوعثاء السفر، ونشيداً نترنم به في لحظات الانتصار، ودمعة مواساة نذرفها في أوقات الانكسار، وسيبقى هذا الفن الرفيع هو الأثر الأبقى للإنسان على هذه الأرض، والذي لولاه لغدونا مجرد آلات بيولوجية تسعى في مناكب الأرض دون أن تدري بحق لماذا تبكي، أو لِمَ تضحك، أو ما القيمة من هذا العبور العابر في جوف الحياة.