
الأحاسيس بين الرمز والهوية:
قراءة نقدية في مجموعة "ܐܪܓܫܝܬܐ" للشاعر فايق بلو...
نقد: كريم إينا
صدر للشاعر فايق بلو مجموعة شعرية بعنوان "ܐܪܓܫܝܬܐ" أحاسيس" من إصدارات إتحاد الأدباء والكتاب السريان لسنة 2025، الطبعة الثانية طبعت المجموعة في مطبعة الدباغ، عدد صفحات المجموعة (58) صفحة، تضمنت مقدمة من قبل الشاعر مع سيرتهِ الذاتية، ضمّت المجموعة على (16) قصيدة الكتاب من الحجم المتوسط، يبدأ الشاعر بمقدمة في ص 3 حيث يقول: /ܟܫܝܪܘܬܝܠܐ ܕܦܠܚ ܒܪܢܫܐ ܒܚܩܠܐ ܕܡܪܕܘܬܐ/ ܘܡܚܪܐ ܕܡܦܠܛ ܡܢܕܡ ܕܝܠܗ ܚܦܝܛܐ ܒܡܕܥܗ ܡܢ ܪܢܝܐ / ܘܚܘܫܒܐ ܘܡܡܛܝܠܝ ܠܩܪܘܝܐ ܒܛܦܣܐ/. "إن نشاط الإنسان في ميدان الثقافة يتمثل: في إخراج ما في عقله من أفكار ومعرفة، عبر التفكير والتأمل، وتقديمها إلى القارىء ببساطة." النص يحمل فكرة ثقافية جميلة تتحدث عن دور الإنسان في إنتاج المعرفة ونقل أفكاره للقارئ. أسلوبه فكري وتأملي لكنّه مركّب قليلاً وفيه تكرار لمعاني التفكير والمعرفة، لذلك كان يمكن أن يكون أوضح لو قُسِّم إلى جمل أبسط وأقصر.
نأتي إلى ص5 أول قصيدة عنوانها: "ܟܠܘ ܕܙܒܢܐ" طوال الوقت" حيث يقول: /ܠܐ ܡܒܩܪܬ ܠܟܢܝܘܬܝ /ܒܝܬܝ ܒܐܪܒܥ ܦܢܝܬܐ /ܫܡܝ ܢܩܝܪܐ ܒܐܬܘܬܐ / ܛܪܬܐ ܠܓܒܪܐ ܚܡܘܬܝ /. ܟܢܪܐ ܛܥܢܬܐ ܒܝܕܝ / ܘܒܙܡܪܬܝ ܛܘܪܐ ܟܝܪܩܝ /. يقول الشاعر: لا تسألين عن تواضعي/ بيتي في الجهات الأربع/ إسمي منقوش بالحروف كعلامة/ إنتظرتُ الرجل حماي. القيثارة أحملها بيدي/ وبأغنيتي الجبل يخضر، موضوع النص يحمل طابعاً روحياً وشعرياً يتحدّث عن الهوية والذاكرة والإيمان، مع حضور واضح لرمز الموسيقى (القيثارة والغناء).
إسمي منقوش بالحروف صورة تدلّ على الخلود أو ثبات الهوية.
أحمل القيثارة بيدي ترمز إلى الفن أو الرسالة الشعرية.
بأغنيتي يخضرُ الجبل مبالغة شعرية تشير إلى قوة التأثير بالكلمة أو الموسيقى
اللغة رمزية ومكثّفة، تعتمد على صور قصيرة أكثر من السرد المباشر.
يبدو النص مقاطع شعرية مستقلة نسبياً، العلاقة بينها معنوية أكثر من كونها قصة متسلسلة. وفي ص 8 نرى قصيدة " ܐܘܡܬܐ ܦܪܫܬܐ " الأمّة المنفصلة: حيث يقول: / ܫܡܘܥܠܐ ܓܪܓܡܬܐ ܕܡܪܓܫܬܐ ܕܩܕܡ ܐܠܦܝܐ ܕܫܢܐ / ܘܡܫܬܝܠܐ ܕܡܥܬܐ ܕܕܪܢ ܡܢ ܢܒܘܥܐ ܕܓܝܚܘܢ / ܘܛܥܢܢ ܙܗܪܝܪܐ ܕܫܡܫܐ ܥܠ ܟܢܦܐ ܕܝܘܢܐ /. ܥܪܩ ܚܘܫܟܐ ܕܡܪܝܪܘܬܐ ܙܪܝܥܐ ܒܠܒܐ ܕܐܘܡܬܢ /. بمعنى: نسمع همسَ الإحساس منذ آلاف السنين،
وتُسقى دموعُ أجيالنا من نبع جيحون،
ونحمل أشعة الشمس على جناح الحمامة،
فيهرب ظلام المرارة المزروع في قلب أمتنا، يتحدث النص عن تاريخ طويل من المعاناة للأمة، لكنّهُ يحمل أيضاً أملاً بالخلاص والنور، فالماء والحمامة والشمس رموز للحياة والسلام والتجدّد. تأتي بعدها قصيدة " ܚܐܪܘܬܐ " الحرية " ص 10 حيث يقول: / ܦܫܘܛ ܐܝܕܐ ܡܢ ܡܫܟܢܐ ܕܫܘܒܚܐ ܕܝܟܝ / ܦܬܘܚܝ ܣܦܪܐ ܕܣܗܕܐ ܕܟܠܕܘ ܐܬܘܪ /. يمدّ يدهُ ببساطة للفقير من بيت المدح الخاص بهِ، ويفتح كتاب الشهادة على كلدو وآشور. فكرة النص: النص يصف شخصاً متواضعاً لكنّه يشارك معرفته أو شهادته التاريخية عن الأمم القديمة مثل كلدوا وآشور، وربطاً بالمدح والتوثيق، النص غني بالرموز التاريخية والثقافية، الأسلوب مختصر وجميل لكنّه قد يكون غامضاً للقارئ غير المطلع على التاريخ القديم. أمّا قصيدة "ܚܘܝܕܐ" الإتحاد" ص 14 يقول: /ܡܢ ܪܚܩܘܬܐ ܕܫܡܫܐ ܘܥܘܡܩܘܬܐ ܕܡܝܐ /ܚܠܝܘܬܐ ܕܣܗܪܐ ܘܫܓܫܝܫܘܬܐ ܕܐܪܥܐ /ܫܗܝܠܘܬܐ ܕܚܝܝܢ ܘܒܪܣܡܬܐ ܕܦܘܡܢ /ܘܫܘܟܢܐ ܕܚܘܒܐ ܛܐ ܟܠ ܣܘܪܝܝܐ /. من بعدِ الشمس وعمقِ المياه، ومن حلاوة القمر وخضرة الأرض، ومن رقّة الكائنات وبسمات الناس، ينبعُ موطن الحب في قلب كل سرياني، النص غني بالصور الشعرية الجميلة والرمزية، أسلوبهُ موسيقي وملهم، لكنّهُ يعتمد على تراكم الرموز أكثر من السرد المباشر، ما قد يجعلُ المعنى يحتاجُ تفسيراً للقارىء العادي.
نذهب إلى ص 16 مع قصيدة "ܕܟܪܘܢܐ " تذكار " / ܠܐ ܟܝܕܥܢ ܐܢܐ ܢܫܝܠܝ ܒܒܝ ܘܐܠܐ ܒܒܝ ܟܡܢܫܝܠܝ / ܠܐ ܟܝܕܥܢ ܐܢܐ ܪܚܩܠܝ ܡܚܘܒܐ ܘܐܠܐ ܚܘܒܐ ܟܡܣܠܝܠܝ / ܫܡܫܐ ܒܪܩܕܐ ܠܟܐܦܐ ܢܩܝܪܐ /. لا أعرف أن أحمل نفسي باليد، بل بالحب أحمل نفسي.
لا أعرف أن أبتعد بالمسافة، بل بالحب أبتعد.
الشمس ترقص على صخرة منحوتة نقية. النص يعبّر عن قوة الحب كوسيلة للحياة والتواصل والتجاوز، ويستخدم الطبيعة (الشمس والصخرة) كرمز للنقاء والجمال والإستقرار الداخلي. النص شاعري ورمزي جداً، ويعطي إحساسا بالصفاء الروحي.
إستخدام التكرار (لا أعرف… بل…) يُعطي إيقاعاً جميلاً.
قد يكون غامضاً قليلاً لمن لا يتابع الرموز الرمزية للطبيعة والحب. نأتي إلى ص 19 وقصيدة " ܙܘܢܐ ܩܫܝܐ " زمن صعب" يقول: / ܫܪܢ ܡܢ ܓܕܠܐ ܕܙܗܪܝܪܐ ܕܙܒܢܐ / ܕܡܒܗܪܢ ܫܡܫܐ ܕܝܘܡܢ ܚܕܬܐ / ܫܩܠܢ ܡܢ ܬܘܢܝܬܐ ܕܣܒܐ ܕܡܬܝ /. يقول: أحلّ من عظمة حبال الزمن صوب أشعة الذهب، التي أشرقت من شمس يوم جديد، ووزعناها من ثمار شجرة الحياة، النص شعري ورمزي، يصف الجمال والوفرة والنور والحياة باستخدام صور الطبيعة والذهب والشمس والشجرة كرموز للنور والحيوية والتجدّد. غني بالصور البصرية والرمزية ويعطي إحساساً بالبهجة والطاقة. نأتي إلى ص 22 مع قصيدة " ܣܒܪܐ ܥܡܡܝܐ " أمل الشعوب " يقول: / ܠܐ ܒܟܝܬܝ ܘܓܪܫܬܝ ܫܬܝܚܢܬܐ ܘܠܐ ܙܡܪܬܝ ܒܪܟܢܐ ܕܫܥܒܕܬܐ / لم أبكي ولم أصرخ في الضيق، ولم أرنّم في بركة العبودية، النص يحملُ نبرة تحدّ وصمود، إذ يعبّر عن رفض الإستسلام، أو إظهار الضعف في الشدّة، وعدم تمجيد حالة العبودية، ولكن قوّتهُ مكثفة ومعناهُ واضح في التعبير عن الكرامة، وتظهر قصيدة " ܫܠܡܐ ܒܐܬܪܝ " السلام في بلادي" ص 26، حيث يقول: / ܫܩܠܢ ܡܢ ܝܠܘܕܐ ܚܘܒܐ ܕܕܪܓܘܫܬܐ / ܘܐܠܦܢ ܡܢ ܛܠܝܐ ܫܝܢܐ ܕܕܡܥܬܐ/ ܘܥܪܩܢ ܠܩܦܠܐ ܒܗܪܐ ܕܙܟܘܬܐ /. أخذنا من الطفل حبّ الحنان، وتعلّمنا من الصغير هدوءَ الدموع، وهربنا نحو القمة بنورِ الإنتصار. المعنى أدبي جميل يربطُ بينَ براءة الطفولة والقوة للوصول إلى النجاح. تظهر صورة رمزية لطيفة ( الطفل، الدموع، النور) ومعنى إنساني إيجابي. هناك غموض وإنتقال سريع بينَ الأفكار يُقللُ من تماسك التكثيف. وفي ص 28 تظهر قصيدة " ܫܘܚܢܐ ܚܕܬܐ " مائدة جديدة" يقول: / ܕܡܐ ܕܐܫܘܪ ܣܡܩܠܗ ܘܚܠܦܠܗ ܓܘܢܗ / ܘܕܡܐ ܕܟܠܕܘ ܙܪܩܠܗ ܕܠܐ ܕܡܐ ܠܐܚܘܢܗ / ܘܕܡܐ ܕܣܘܪܝܝܐ ܝܪܩܠܗ ܕܦܐܫ ܢܘܟܪܝܐ /. دم آشور أحمر وتغيّر لونهُ، ودم الكلداني سفكَ بلا أن يشبه دم أخيهِ، ودم السرياني إخضرَ وشحبَ مصفراً فصارَ غريباً، في هذا النص يفصح الشاعر إلى تفرّق أبناء الشعب الواحد ( آشوري كلداني سرياني) وإختلافهم حتى صارَ كلٌ منهم كالغريب عن الآخر. يمتاز النص بقوة رمزية لونية معبّرة وفكرة وحدوية واضحة. يميل الشاعر بعمق الإحساس بالإنقسام بدل من معالجتهِ. وفي ص 33 قصيدة " ܥܝܪܩ ܬܩܝܦܐ " عراق قوي" / ܥܝܪܩ ܝܐ ܐܬܪܝ ܥܡܐ ܓܢܒܪܐ ܠܣܟܠܘܬܐ ܡܫܝܐ / ܐܬܐ ܕܒܝܬ ܢܗܪܝܢ ܒܠܗܩܘܬܐ ܥܠܝܐ / ܒܪܣܡܬܐ ܕܫܡܫܐ ܠܒܝܬܘܬܐܢ ܡܛܝܐ /. يقول: يا عراق، يا بلادي، يا شعباً جسوراً متجهاً نحو المجد، أنت علامة بلاد ما بينَ النهرين في العظمة العالية، وبشروقِ الشمس تشرقُ على بيوتنا، فإنّهُ يمدح العراق ويصفهُ بالعظمة والتاريخ والمجد، بأسلوب قريب من الأناشيد أو الشعر القومي، وفي قصيدة " ܢܒܘܥܐ ܕܚܘܒܐ " ينبوع الحب" / ܡܫܕܪܠܗ ܢܒܘܥܐ ܕܚܘܒܐ ܕܠܒܟܝ / ܡܫܕܪܠܗ ܦܪܐ ܕܓܘܠܦܢܐ ܕܓܐܫܘܬܟܝ / ܟܒܥܢ ܕܦܪܚܢ ܡܢ ܐܘܦܩܐ ܠܐܘܦܩܐ / ܘܡܛܢ ܠܣܢܣܪܐ ܡܢܬܪܢܐ ܕܣܦܪܘܬܐ /.
نص رومانسي/ أدبي يتحدّث عن إرسال الحب والمعرفة، والتحليق في آفاق عالية حتى الوصول إلى مراتب سامية من الفكر، فيطيرُ من أفقٍ إلى أفق ليصل إلى العش العالي المرتفع من الأدب لكي يلامسَ المشاعر. وتظهر قصائد أخرى لم أتطرّق لها مثل: ينبوع الحياة، الأمل، لنهايتكِ، الحلو والمر، التأمل، وإحساس الحب، كلّها مشاعر متناقضة ولكنّها تنتهي بالتأمل والإحساس بالحب، وما زال بريق القصائد حاضراً ليديم نبضة الشعر في مجموعة قصائد سريانية الأحاسيس أو المشاعر. أتمنّى للشاعر فايق بلو التوفيق لما آلَ إليهِ من إبداعٍ ورؤية في مجال الشعر السرياني الحديث والمعاصر.
