للذهاب الى صفحة الكاتب   

إلى أمير الشعراء… أحمد شوقي

سعيد إبراهيم زعلوك

 

أكتب إليك من قلبٍ يطفو على نهرٍ من حروف مذابة،

من شارعٍ يلتف حول السماء،

حيث ينام النيل على صمت الأسماك،

وحيث الريح تصنع لك تاجًا من الضوء المهجور.

 

كنتَ هناك، دائمًا، في زاوية من الضوء،

تبتسم للغيوم وكأنها قناديل معلقة على حافة الزمن،

تتحوّل القافية في يديك إلى طائرٍ أزرقٍ يرقص على أطراف الحروف،

تعلمنا كيف يكون الألم فرحًا،

وكيف يتحوّل الحب إلى نغمةٍ تطير فوق الجراح،

وكيف تصير الكلمة وطنًا صغيرًا نحتمي فيه

بين غيمٍ لا يسقط ونهرٍ لا ينام.

 

أراك في هديل الحمام،

وفي ضحكة الأطفال التي تتلوى كالضوء على جدران القاهرة،

أسمع صدى قافيةٍ تفرّ من بين أصابع الزمن،

تتسلل إلى البيوت، تغني للنوافذ المفتوحة على ضوء القمر،

تترك فينا عطش الشعر،

وعشقًا للكلمة كما لو كانت قطرة ماء في صحراء صامتة.

 

تمشي بيننا كنسمةٍ غير مرئية،

تزرع الأمل في البيوت المهجورة،

تترك أثرًا لا يمحوه حتى العدم،

تعلمنا أن نحب ونحزن ونفرح بالقافية،

وأن نصنع من الألم أغنيةً تمطر على جراحنا،

كطفلٍ يركض وراء ظل القمر فوق أسطح المدينة،

وكشجرةٍ تتعلم القراءة من أوراقها المتساقطة.

 

أكتب إليك الآن، وأرى روحي تهرب بين السطور،

أتلمّس زمنك، أبحث عن روحٍ تشبه روحك،

أجدك في كل حرفٍ ينبض،

وفي كل قصيدةٍ ترتجف من الفرح أو الحزن،

وفي كل مرة نحلم فيها بأن نكون شعرًا،

وفي كل مرة نحلم فيها بأن نعود إلى الزمن الذي كنت فيه،

أميرًا للكلمة، للنيل، للريح، وللغيم،

أميرًا للسماء التي تتلوى حول الحروف،

أميرًا لكل ما لم يولد بعد من أحلام.

 

لقد كنت أميرًا،

ليس للقصيدة فقط، بل للغيوم، للريح، للنيل، ولقلوبنا،

وعلمتنا أن الشعر ليس كلمات على ورق،

بل حياة تُحيا، وحلم يُزرع في الصدور،

ونور يضيء الدروب المظلمة للغد،

ونغمة تتسلل من بين الحروف مثل طائرٍ لم يولد بعد،

وكأن كل حرفٍ يحملك معي في صمتٍ طويل.

 

أرسل إليك حروفي، متعثرة، لكنها صادقة،

كطفلٍ يسأل عن الطريق إلى ضوءك،

كمدينةٍ تهرب من نسيانها لتسكن بين السطور،

عسى أن ترى فيها عبور قلبٍ لا يزال يحلم،

ويحنّ إلى زمنك،

إلى حروفك، إلى ضحكتك التي علمتنا كيف نحب اللغة،

وكيف نصنع من الكلمة حياة،

وكيف يصبح الألم أملًا، والرحيل قصيدة، والحنين وطنًا،

وكيف تتحوّل الذكرى إلى طائرٍ يرقص فوق السحب،

ويغني للنهر، للغيم، ولليل الذي لا ينام.

 

أكتب إليك من بين الغيم والمطر،

من بين الذكريات والليل الطويل،

أرسل لك كل الحروف التي لم تكتمل،

وكل نبضة من قلبي تبحث عن صدى روحك،

لعلّك تسمعني،

وترى بين حروفي ما لم أجرؤ على قوله إلا لك:

هل تسمعني؟ هل ترى ضوء حروفي؟

إن الشعر لا يموت،

وإن حب الكلمة خالد،

وإنك كنت دائمًا، وستظل،

أميرًا للشعر،

وللغيم، للريح، للنيل، ولقلوبنا التي تظل تبحث عنك،

وللحروف التي ما زالت تطير على أطراف الأحلام،

وللزمن الذي يختبئ بين يديك،

وللسماء التي تتلوّى مع كل قصيدة.

 

سعيد إبراهيم زعلوك