
قصة/ الأحدب
د. عامر ممدوح
كاتب وأكاديمي
كانت شمساً عراقية بامتياز، تلهب بسياطها رؤوس السائرين، وتصيب الذهن بدوار عجيب، كان حازم وهو يسير يشعر كأن رأسه يدور ويدور دون انتهاء.
وبعد صراع من أجل البقاء، سقط مغشياً عليه وسط المارة الذين هرعوا لإنقاذه، لكنه لم يكد يعي ما حوله، فلم يكن في المعدة الخاوية ما يمنح القدرة على المواصلة، ولم يحمل جسده الهزيل فرصة للاستمرار.
الرأس يدور، ويدور، والشمس تقترب منه حد الاحتراق، وفي كل دورة تطالعه صورٌ من حياته، ومما فات!
نقله الناس إلى ظل لا يغطي سوى نفسه، وحازم يتمتم بالقول دون وعي ربما..
كم تحتاج منّي أيها الوطن كي تستريح!
ولما التقط الأنفاس، بالكاد نهض حتى وصل منزله، كان بيتاً من صفائح مصفوفة بعناية وذوق، كأن فناناً تشكيلياً أراد ان يوجد من بين الوجه نشيد الخلاص!
لكن كل ذلك لم يستطيع التغطية على بؤس المحتوى وكآبة العيش!
امتدت يده إلى كسرة خبز نظر إليها بانكسار ممزوج بالدمع.. والعين ترمق زاوية صغيرة، اغمض عينه فعاد به الزمن إلى الوراء..
صغيراً كان، وأمه التي كانت ترقد في زاوية البيت.. الغرفة... تسبّح لله، وتقول له بتكرار لا تمل منه.. صبراً فان الفرج والفجر آت..
استخرج من تحت الفراش ورقة كانت تحمل تواريخ الصبر.. امتلأت.. اختنقت.. اتخمت بالآمال.. ولم يتبقَ فيها أي مجال.
همّت نفسه على فعل شيء.. مبهم في ظاهره لكنه يحمل إصراراً على تغيير حاله، كان هذا الشيء أمامه وعلى الجانب الآخر ورقة جديدة بيضاء..
فلما حاول القيام.. اسقطته الظروف.. لم يقدر على أن يتنفس لحظة الغد، لم يجد ما يساعده على العبور نحو برّ الأمان!
كان الوجه متيبساً.. والظهر محدودباً.. والقلب بالكاد يستطيع النبض والنطق!
لم يستطع القيام.. أعلن الاستسلام.. استدعى ورقته البيضاء لتنضم إلى أخواتها..
كتب عليها تاريخاً جديداً للصبر.. تغطى به ثم نام.. بلا أحلام!
