للذهاب الى صفحة الكاتب   

قراءة نقدية في مجموعة "على ضفاف الحياة" للشاعرة نضال يوسف:

بين صدق التجربة ومحدودية التشكيل الشعري...

كريم إينا

 

صدر للشاعرة نضال يوسف مجموعة شعرية بعنوان: "على ضفاف الحياة" الطبعة الأولى 2023، إحتوت على مقدمة وشكر من قبل الكاتبة، إحتوت المجموعة على (48) قصيدة عدد صفحات الكتاب (42) صفحة، حجم الكتاب من القطع المتوسط.

 

نبدأ في ص 4 قصيدة عنوانها "ضحكة مزيفة" النص يحمل إحساساً صادقاً بالحزن المكبوت خلف قناع الإبتسام، وهي تقوم على مفارقة واضحة بين الظاهر المشرق والباطن المتألّم، وهي فكرة مؤثرة إنسانياً.

وحدة الموضوع واضحة من البداية إلى النهاية الصورة الأساسية جميلة: إبتسامة مزيفة تخفي جراحاً عميقة.

 الخاتمة موفقة في قولها: «ولا يشعر بأنينها إلّا خالقها» إذ تمنح النص بعداً وجدانياً وروحياً 

اللغة يغلب عليها الطابع المباشر والتقريري، «حقيقة حزينة عن الناس أخفتها» وكان يمكن ويمكن تعزيزها بصور شعرية أكثر إيحاءً.

بعض التراكيب تحتاج إلى صقل لغوي، وهذا: «غوار جراح في نفسها دارتها» فالمعنى يتغير واضح نحوياً ودلالياً.

تكرار الضمائر والأفعال المرتبطة بالإخفاء والحزن يجعل النص يدورُ حول الفكرة نفسها، أمّا تطور ملحوظ من الناحية العروضية ليس النص موزوناً على بحر شعري محدّد، لذا يُعد أقرب إلى الخاطرة أو الشعر الحر.

النص صادق العاطفة ومؤثر في فكرته، لكّنهُ يعتمد على التصريح أكثر من التصوير. ولو أستُبدلت بعض العبارات المباشرة بصور وإستعارات مبتكرة، لأكتسب عمقاً شعرياً وجمالاً فنياً من حيث الصياغة الفنية، مع قوة شعورية أعلى من مستواهُ اللغوي.

النص يحمل رسالة إنسانية واضحة تقوم على التفاؤل والتسامح ونبذ الكراهية، وهي رسالة محببة تجعل القارئ قريباً من التجربة الشعورية للشاعر. وقد نجح الشاعر في الإنتقال من حالة الرفض للإستسلام للأحزان ومطاردة السراب إلى حالة أكثر نضجاً تقوم على المحبة والعطاء.

 أسهمت من الناحية الفنية بأسلوب التكرار في عبارة «علمتني الحياة» وفي ص5 قصيدة الأبيات بعضها ببعض. كما أن المقابلة بين الأحزان والحنان، وبين السراب والمحبة، منحت النص بعداً دلالياً لطيفاً.

إلاّ أنّ النص يميل إلى المباشرة والوعظية أكثر من إعتماده على الصورة الشعرية، فالأفكار تُطرح بصيغة تقريرية مثل: «أن لا أكره» و«أهب محبتي»، وكان يمكن تعزيز الأثر الفني بصور وإستعارات أكثر إبتكاراً. كذلك يلاحظ بعض الإضطراب اللغوي والإيقاعي الناتج عن طريقة كتابة الكلمات وتقطيعها.

بوجه عام، النص خاطرة شعرية وجدانية جميلة في مضمونها، تنادي بالمحبة والتسامح، وتحتاج إلى مزيد من التكثيف الفني والصور الشعرية لتبلغ تأثيراً أعمق في المتلقي.

 

وفي قصيدة "الأحلام المزيفة" ص 6 تتناول القصيدة تجربة الخيبة والإنخداع بالمظاهر والأحلام الكاذبة، ثمّ إكتشاف الحقيقة والندم على الثقة بمن لا يستحقها. الفكرة واضحة وقريبة من المتلقي.

الصور الشعرية من أجمل الصور لقول الشاعرة: «نظرتُ إلى سرابٍ ظننته الحقيقة» فالسراب رمز موفق للوهم والخداع. «خداع الأيادي الماكرة» تمنح النص بعداً تصويرياً جيداً.

اللغة سهلة ومباشرة، لكنّها تميل أحياناً إلى التقرير والسرد أكثر من الشعرية. «تألمت وأحزنني "ظنّي بقلوب خائنة" وكان يمكن تكثيفها بصورة شعرية أعمق.

الترابط تسلسل المعاني منطقي، إذ يبدأ بالحلم، ثم الوهم، فالإكتشاف، فالندم، ممّا يمنح النص: كوحدة موضوعية واضحة.

الملاحظات يحتاج النص إلى مزيد من العناية بالصياغة اللغوية والإيقاع، وبعض التراكيب: يمكن أن تكون أكثر دقّة، مثل: «لأشخاص قريبة صديقة» التي تبدو مضطربة نحوياً وأسلوبياً

الخلاصة قصيدة ذات فكرة إنسانية صادقة ومؤثرة، تبرز مشاعر الخيبة وفقدان الثقة، وتمتاز: بوضوح المعنى، لكنّها تحتاج إلى مزيد من التكثيف الشعري والصور المبتكرة لزيادة أثرها الفني.

 

وفي ص 7 "أيظن الحب تسلية ولعبة" تعالج القصيدة موضوع الرجل العابث بالمشاعر والخائن للحب، وتتميز بوضوح الفكرة وقوة الموقف العاطفي الرافض لهذا السلوك. وقد نجحت الشاعرة في رسم صورة سلبية للشخصية من خلال ألفاظ مثل: «العشق المزيف عبر«الكذب» و«إدمان الخيانة، وهي تُذكرني بأغنية نجاة الصغيرة أيظنُ أنّي لعبةٌ بيديهِ فهذا التناص ممّا أكسب النص شحنة إنفعالية واضحة.

إلاّ أنّ القصيدة تعتمد بدرجة كبيرة على المباشرة والإتهام الصريح، فتغلب عليها اللغة الخطابية أكثر من اللغة الشعرية القائمة على الرمز والإيحاء. كما أنّ كثرة الأوصاف المتشابهة للخيانة تجعل المعنى يدورُ في فلك واحد دون تطورٍ ملحوظ في الصور أو الأفكار.

بصورة عامة، النص صادق في إنفعاله وقوي في رسالته، لكنّه يحتاج إلى مزيد من التكثيف الفني والصور الشعرية المبتكرة ليترك أثراً أعمق في نفس المتلقي.

 

أمّا قصيدة "أنا نبتة وحيدة" ص 14 نصٌّ رمزي جميل يجسّد الصمود والأمل من خلال صورة النبتة التي تتحدّى القحط والجفاف. تمتاز بوحدة فكرتها وصدق مشاعرها ورسالتها التفاؤلية الواضحة، غير أن لغتها تميل أحياناً إلى المباشرة والوعظ على حساب الإيحاء الشعري. ومع ذلك، نجحت الشاعرة في تقديم صورة مؤثرة للإرادة التي تنتصر على القسوة واليأس.

 «بقايا ذكريات» فنراها تحمل نزعة وجدانية مؤثرة، وتنجح في إستحضار الحنين إلى الماضي من خلال صور مثل البيت القديم والأطلال والأحباب الراحلين كما أنّ الإنتقال من الذكرى الجميلة الإحساس بالفقد يمنح النص صدقاً عاطفياً واضحاً.

 

إلاّ أنّ القصيدة تعتمد على السرد المباشر أكثر من إعتمادها على الصورة الشعرية المكثفة، فتغلب عليها لغة الشكوى والتأمل. ومع ذلك، جاءت الخاتمة موفقة ومؤثرة في قولها كلّ شيء مضى ورحلَ... فأصبحت بقايا ذكريات» إذ لخّصت فكرة النص وأضفت عليه مسحةً من الحزن والحنين

 

وفي قصيدة "أينَ هي" ص 16 تحملُ رسالة إيجابية واضحة عن تحوّل الشخصية من الإستغلال والتضحية المفرطة إلى الوعي بالذات ووضع الحدود، وهي فكرة مؤثرة وقريبة من الواقع.

  الجانب الوجداني نجحت الكاتبة في نقل شعور الإختفاء الرمزي والتغيّر الداخلي، خاصة في تساؤلات الناس المتكرّرة.: « أينَ هي؟ هل رحلت؟»

  اللغة بسيطة ومفهومة، لكنّها تميلُ إلى المباشرة والتقريرية في مواضع كثيرة، .«مضى زمن  الإستغلال والإذلال" » ممّا يقلل من الشاعرية

  للصور الفنية قليلة نسبياً، وتعتمد القطعة على الشرح أكثر من التصوير والإيحاء

  يوجد تكرار لبعض المعاني المتعلّقة بالإستغلال والطيبة والتضحية، وكان يمكن إختصارها لزيادة التركيز والقوة.

فكرة «الموت» بوصفه موت الشخصية القديمة وولادة شخصية أقوى تُعد من أجمل محاور النص وأكثرها عمقاً.

 

وفي ص 17 تظهر قصيدة "بقايا ذكريات" تقول: بقایا ذكریات في رأســــي أتأمّل لعلني بھــا... أنظر بعیــداً أســـترجع وعداً فات... بیت قدیم ٌ وأطلال ٍالنص يحمل عاطفة صادقة وحنيناً مؤثراً إلى الماضي، وقد نجحت في تصوير ألم الفراق وتحول الأحبة إلى ذكريات بعيدة. تبرز فيه بعض الصور الجميلة مثل: « أمواج تتقاذف في صدري» وتركت لنا الآهات». لكن الخاطرة تعاني من ضعف في الصياغة اللغوية وكثرة الأخطاء والتكرار، إضافة إلى بعض المباشرة التي تقل̮ل من أثرها الفني. ولو أُعيدت صياغتها بلغة أكثر إحكاماً وترابطاً لكانت أشدّ تأثيراً.

النص مؤثر عاطفياً، ويعبّر بصدق عن الشوق إلى الأب والفراغ الذي خلّفه رحيله، حرارة الوجدان بوضوح في النداء المباشر: ص 19 « إشتقتُ لك يا أبي». كما أنّ الانتقال من الحزن إلى التوكل على الله في الخاتمة منح النص بُعداً إيمانياً جميلاً.

 نلاحظ إنسيابية واضحة في الشعر مع قلّة الصور الشعرية واللمسات البلاغية مقارنة بكمية البوح العاطفي. وفي ص 23 تظهر قصيدة "غريبة الناس" يتناول النص ظاهرة إجتماعية واقعية تتمثل في إخفاء النعم والتظاهر بالفقر خوفاً من الحسد أو بدافع المصلحة، وقد نجح في نقل شعور الإستغراب من هذه السلوكيات. كما أنّ الخاتمة التي تدعو إلى شكر الله والقناعة تضفي على النص بعداً أخلاقياً جميلاً.

لكن النص يميلُ إلى السرد المباشر والوعظ أكثر من إعتماده على التصوير الأدبي، وتكثرُ فيهِ العبارات التقريرية التي تشرح الفكرة بدلاً من تجسيدها بصورة فنية. كما يحتاج إلى ضبط لغوي وصياغة أكثر إحكاماً لتقوية الترابط بين الأفكار.

نص يحملُ رسالة إجتماعية وإنسانية واضحة، وقيمته الأساسية في فكرته وصدقهِ خاصةً ملاحظتها للواقع، بينما يحتاج فنياً إلى مزيد من التكثيف والصور البلاغية. وفي قصيدة " ذكريات أم" ص 28 النص زاخر بالعاطفة والحنين، ويصوّر بصدق شعور الأم أو الأب وهو يسترجع ذكريات الأبناء بعد غيابهم. من أجمل ما فيه الإنتقال بين مشاهد الماضي والحاضر، ولا سيما صورة التطلع إلى الباب إنتظاراً لعودة الأحبة، وهي صورة مؤثرة ومعبّرة.

كما نجح النص في إستحضار تفاصيل الحياة اليومية الصغيرة؛ كالشقاوة والإعتذار والتسلل بهدوء أثناء النوم، مما أكسبه دفئاً إنسانياً واضحاً.

لكن النص يطول في بعض المواضع ويعتمد السرد المباشر أكثر من التكثيف الأدبي، كما أنّ كثرة الأفعال المتتابعة تضعف الإيقاع أحياناً، فضلاً عن وجود بعض الهَنات اللغوية والصياغية.

 

وفي ص 29 : قصيدة "لا تسيروا وأحذيتكم فوق رؤوسنا" يحمل النص نبرة إحتجاج قوية ضد الظلم والإستعلاء الإجتماعي، ويعبّر بصدق عن معاناة الفقراء وسلب الحقوق، ممّا يمنحه طاقة عاطفية واضحة. كما أنّ خاتمته المتفائلة التي تدعو إلى النهوض والسلام والتواضع تضيف بعداً إنسانياً جميلاً. أمّا من الناحية الفنية، يعتمد النص على الخطاب المباشر والشعارات أكثر من إعتماده على الصور الشعرية والرموز، لذلك تبدو بعض المقاطع أقرب إلى البيان الإجتماعي منها إلى النص الأدبي. كما أنّ تكرار المعاني المتعلقة بالظلم والكرامة يضعف شيئاً من التركيز. وفي ص 30 تظهر قصيدة " لغز الحب" يتناول النص حالة من الحب الصامت القائم على الكتمان والخوف من البوح، وقد نجح في نقل مشاعر الشوق والتردّد والألم العاطفي بصورة واضحة. الفكرة متماسكة، ويظهر فيها صراع المحب بين الرغبة في الاقتراب والخشية من كشف مشاعرهِ.

لكن النص يعتمد كثيراً على التقرير المباشر للمشاعر خاصة عند (يشتاق، يخفي، يرغب، يتألم) تجسيدها بصور شعرية وإيحاءات فنية. كما أنّ كثرة الضمائر وتتابع الأفعال تجعل بعض المقاطع متشابهة الإيقاع والمعنى.

 

 وفي ص 36 تظهر قصيدة" نجمة مضيئة" النص يحمل عاطفة صادقة وصورة عامة واضحة لفتاة تكتم حبّها حفاظًا على نقائها وكرامتها، وفيه بعض الصور الجميلة "خبأت الحب في أعماقها" ونجمة مضيئة في سماءٍ صافية"

لكن من الناحية الفنية توجد ملاحظات مختصرة:

التكرار ظاهر في الألفاظ.: أعماقها، نفسها، الحب، خبأت، ممّا يضعف التكثيف الأدبي

هناك مبالغة في الشرح المباشر، فالنص يخبر القارئ بالمشاعر أكثر ممّا يوحي بها عبر الصور.

بعض الصور تحتاج إلى مزيد من الدقة والنقاوة: "طَهَرت لتحافظ على نقاوتها" إذ إنّ الطهارة وهما متقاربتان دلالياً.

الإنتقال من الحزن والكتمان إلى خطاب الليل ثم النجوم جاء سريعاً وتحتاج إلى ترابط أقوى

توجد بعض الأخطاء اللغوية والإملائية البسيطة مثل: إبتعدت وإبتعدت، ويفضل في أعماقها بدل تكرار الصياغة المتعدّدة.

نص وجداني رقيق يحمل رسالة إيجابية، يمتاز بصدق العاطفة، لكنّهُ يحتاج إلى تقليل التكرار، وتعميق الصور الشعرية، والإعتماد على الإيحاء أكثر من السرد المباشر ليكتسب قوة أدبية أكبر.

 

وفي ص 40 تظهر قصيدة " صغير ينامُ على صخرة" النص يلامس الوجدان بصدق، ويعتمد على صورة مؤثرة لطفلٍ ينام على صخرة، بما تحمله من دلالات الحرمان والقسوة. وقد نجح الكاتب في إبراز التناقض بين الصخرة والوسادة الناعمة، ممّا عزز الأثر العاطفي للنص. غير أنّ التعبير يميل أحياناܳ إلى المباشرة والخطابية، مع وجود بعض التراكيب التي تحتاج إلى صياغة لغوية أدق وصور شعرية أكثر. وتبقى الخاتمة من أجمل مقاطع النص لما تحمله من رجاء وإيمان يمنحان المعنى عمقاً إنسانياً مؤثراً. أتمنّى للشاعرة نضال يوسف التقدم والتألّق في مجال الشعر الحديث.