
الحمَامَة- قِصَّة قَصيرَة
فيها من الشِعر ما فيها
شذى توما مرقوس
الأثنين 11 / 1 / 2005 م .
ثَمَّةَ ما فاضَ بهِ قلْبُها نَحْوَه .......
وثَمَّة ما فاضَ بهِ قلْبُه نَحْوَها .......
فتَلامسَ مِنْقَاريهُما......
لطالَما تَناشَدا الحُبّ فَوْقَ سِلْكِ الكهْربَاء هذا المُمْتَدّ على طُولِ الزُقاق ، وتَنَاجيا مُحلِّقين حتَّى تِلكَ الشَجرَة القَابِعةِ هُناك ...... وكمْ لامسَ جنَاحاهُ جنَاحيها بِحنَانٍ ورِقَةٍ وعُذوبَة .....
بِذَلِك الحُبّ بَحثا مَضْنياً عنْ شَجرَةٍ آمِنَةٍ تَحْتَضِنُ عِشَّهُما الرائع المَنْسوج بِأَعْشَابِ الحُبِّ والإِخْلاصِ والثِقَة .... كانَتْ تِلكَ الشَجرَة آمِنَة مُخْلِصة غَطَّتْ عِشَّهُما بِوارِفِ أَغْصانِها .....
احْتَضَنَا بَيْضَهُما بِكُلِّ ما يَمْنَحهُما الحُبُّ مِنْ سَعادَةٍ ، كما شَهدَتْ الشَجرَةُ الأَمينَة زَقْزَقَة الفِرَاخ الأُولَى تُنادي والِديها وتَسْألهُما الطعام ....
طارَ الوالِدُ المُحِبُّ نَحْوَ الحقُولِ القَرِيبَة بَاحِثاً عمَّا يُجْلَبْ ......
في بَحْثِهِ الدَؤُوب ذاك بَحثَتْ عنْهُ تِلْكَ الرَصاصَةُ المُنْطلِقَة مِنْ بنْدقيَّةِ صيَّادٍ مُتَكبِّر فكسَرَتْ جِنَاحهُ ونَزَفَ جرْحهُ مُلوِّناً الأَرْض الَّتي تَلَقَتْهُ ، ملَّتْ الحمَامَةُ انْتِظار حبِيبِها ، وقَتَلَها قَلقَها علَيْهِ كمَا آلمَها نَحيبُ فِراخِها الجائعة فحلَّفَتْ الشَجرَة بِحفِيفِها وأَغْصانِها أَنْ تَحْرُسَ فِراخَها حتَّى عَوْدتَها ، وسَأَلَتْ جاراتَها الحمَامات أَنْيَقْتَعِدْنَ أَغْصَانَ الشَجرَةِ قَرِيباً مِنْ فِراخِها لحِينِ عَوْدتِها ، فعاهدَها الجمِيع ....
طارَتْ حتَّى الحقُولِ الَّتِي قَصَدَها حبِيبها .... بَحثَتْ كُلَّ الأَشْجار غُصْناً غُصْناً وورَقَةً ورَقَةً عنْهُ ، وسَألَتْ كُلَّ الطيور الَّتِي الْتَقَتْها عنْه ، تَوسَّلَتْ كُلَّ تَياراتِ الهواء الَّتِي رَافَقَتْ جنَاحيهِ أَنْ يُخْبِروها عَنْ وُجْهتِهِ ....... دُوْنَ جَدْوَى .... دُوْنَ جَدْوَى ....
لَمْ يَتَبَقَ أَمَامَها سِوى أَنْ تَبْحثَ أَرْضَ الحقُولِ شبْراً ، شبْراً حتَّى العيَاء ، فانْزَوَتْ حزِينَة على غُصْنِ شَجرَةٍ تَأْمَلُ شَرِيكها سَالِماً مُعافَى ، لكِنَّ نَظَرَاتها الشَارِدَة اسْتَقَرَّتْ فَجْأَة فَوْقَ تِلكَالبُقْعةِ المُلوَّنةِ بِالدِماء فطارَتْ بِجنُونٍ إِلَيْها حتَّى ارْتَطمَتْ بِالأَرْض ....
قَدَماها النَاعِمتَانِ لَمْ تَحْمِلاها فانْثَنَتْ تَحْتَ رُوحها المُثْقَلَةِ بِالحُزْنِ ، لامَسَتْ الأَرْضَ بِمِنْقَارِها بَاحِثةً عمَّا يَدُلّها إِلَيْهِ ، مَسَحتْ الأَرْضَ بِجنَاحيها علَّ ما يَدُلَّها إِلَيْهِ ... وفي زَحْفِها نَحْوَ ما يُرْشِدَها وَجدَتْ رِيشَةً مُلطخَةً بِالدِماءِ مِنْ جِنَاحِهِ ، إِنَّها إِحْدَى رِيشَاتِهِ فهي تَعْرِفُ رِيشَاتِهِ رِيشَةً رِيشَة ...ورُويشَةً رُويشَة ... ضَمَّتْ تِلكَ الرِيشَة إِلى قلْبِها وتَحْتَ جنَاحيها تَنُوحُ أَلَماً وحُزْناً فرَاق مَنْ أَحبَتْ ، بَيْنَما عادَ الصيَّادُ المُتَكبِّر مُتَباهيَّاً بِصيْدِهِ .....
لَمْ تَنْفَعْ تَعْزِيَةُ أَقْرانِها لَها ، ولا الأَشْجار الَّتِي شَارَكتْها مِحْنَتَها وعاضَدَتْها ، لَمْ يَنْقَطِعْ نواحُ رُوحِها أبَداً ......
تَدافعتْ فِراخها نَحْوَ فُوهةِ العشِّ فسَقَطَ إِحْدَاها أَرْضاً ... تَدافَعَ الجمِيعُ لِلمُسَاعدَة لكِنَّ الأَفْعى الكبيرَة كانَتْ جائعةً جِدَّاً وأَسْرَعهُم فابْتَلعتْهُ وأَرْعبَتِ الجمِيع ، لَمْ يَنْفَعْ صُراخُ الجمِيع هدِيلاً ، كمَا لَمْيَنْفَعْ نواحُ الأُمِّ المَنْكوبَةِ في صغِيرِها وفي حبِيبِها ، إِنَّ الحيَاةَ أَقْسَى بِكثِيرٍ مِمَّا ظنَتْ دائماً .....
