
ها هو الحبُّ يمضي ...
الدكتور سمير محمد ايوب
مُسْتَلَّة من كتابي الأجد، المرأة وفلسفة القهوة.
المُحزِن يا ولدي، عندما يمرض الحب او يتمارض، ترتخي قبضات الأيدي وتنسحب الأصابع. وبصخبٍ هادئ، تبدأ رحلة التخارج في العادة. فتنقبض القلوب من الخيبة، وتتقوقع الأرواح في وجه الخذلان، وتوسوس الأنفسُ اللوامة ذاتها وظلال الراحلين:
فأجبتها ونحن نتمشى في البيادر: َرغم ان حياتي مليئة بالخيبات يا أمي، يُضايقني ما فَعلتْه معي. ما يكسر شيئا عزيزا في قلبي، هو أني ظهرت لها بكل تضاريس وجهي وحقائقة، التي لا يعرف جُلُّ الناس الكثيرمن تفاصيله مثلها. لأني ظننت أنها مختلفة عنهم وعنهن، أظهرتُ على الأقل الكثير منْ طفولتي برفقتها. فشيء أحمق بدواخلي، كان قد اقنعني بأنها لن تُفْلِت يدي، وها هي تُفْلْت.
وحين ربتت على كتفي وعيناها تومضان بسحر يعز وضفه، احتضنتها كطفل يتيم، فأعادت على سمعي، ما سبق لها وان ردَّدَتْه ذات حَزَنٍ، مِرارا على بصيرتي:
للحُزْنِ في النفس يا ولدي، تارة تراتيل ربانية، وتارة ترانيم حوراني وعلى الأغلب عُواء ذِئب مكلوم. أنى سرت أو ولَّيت وجهك، يغتال بقايا فرحك وتواليه. وأنت تُلَمْلِم شظايا أطيافها التي بعثرَتْها قبل أن تمضي، مع كل فنجان من قهوتك في توالي الليل، ومع الست وهو ترتل يوم من الأيام ... رمِّم جراحَ روحك. حتى وإن صدأ القلب، وعمِيَ البصر، لا تدع أحدا يعرف عمق حزنك، حتى وإن تعاطف معك. فلا أحد سيحزن حزنك يا ولدي، أو يشاركك فيه. وامضِ مُسرعا إلى الأمام دون ان تلتفت الى وراء. وتذكر يا ولدي، أن الأمام داشما أرحب ومشبع بالأمل ، وأن الأجمل بالقطع دائما هناك، هناك في الافق.
