للذهاب الى صفحة الكاتب   

الرؤية الشعرية في ديوان «حُرَق في فضاء الأرق» لمعد الجبوري: دراسة نقدية

نقد: كريم إينا

 

 

مجموعة شعرية صدرت للشاعر الرائد المرحوم معد الجبوري بعنوان: "حُرق في فضاء الأرق" من منشورات إتحاد الكتاب العرب – مطبعة إتحاد الكتاب العرب – دمشق " 2005" القصائد كتبت بين نيسان 2003 وشباط 2004، يقع الكتاب بـ ( 99) صفحة حجم 12 سم، يحوي الديوان على (44) قصيدة، تبدأ القصيدة الأولى ص4 بعنوان: "وجع يدقّ الروح" حيث يقول:/ يومٌ عبوس، خلفهُ يوم عبوس../ كانت خنازيرُ الدجى صوبي تدبُّ،/ وكنتُ أشهقُ بينَ أحضان المدينة، مثل طفل،/ ساعة إختفت السواترُ والتروسْ../ أول مرة نرى نفسية الشاعر تجيءُ محشرجة حزينة تكادُ تنفلقُ مرة أخرى بإضاعته الصوت والأثر، فبهذا قد أصبح شجرة من حولها تتزاحمُ الفؤوس لقطعها، وبقدر تشاؤمه من الحياة تشاءم من القضاء الذي لا تظهرُ فيه نسمة عدل في حياتنا كرنين الصوت الناصع البياض... إلخ. فكيف يحصل على الغيث إذا لم يبقَ لديه سوى أن يتحلّى بالصبر ويصل عبر المآذن، قد تمتلىء الغيوم وتبتعدُ الفؤوس كي يحتمل اليوم العبوس، أمّا في قصيدة: "ومن الجرح يجيءُ البرق.." ص8 حيث يقول:/ شارة نصل، لا شارةُ نصر،/ بين السبّابة والوسطى../ وأنا الشاهدُ والمشهودُ، أنا الأخدودُ/  يجعل نفسهُ بكلتا الحالتين: الشاهد والمشهود وكأنّهُ وادي وقع بين جبلين كبيرين سموهُ الأخدود، وفي قصيدة" نجمة الصحراء" ص13 يؤكد الشاعر زوال الظلام عند فيض سناء العتمة حيث يقول:/ نجمة الصحراء تخبو في ضباب التيه / تغدو حُلُماً، والطفل يغدو حُلُماً، والبدو يمضون بعيداً،/ هل أراهم، هل أراهُ، هل أراها؟../ وفي ص18 تظهر قصيدة" هوامش خاصّة.." عن بكائية ديك الجن التي شبّت النيران حولها وحولهُ فإحترقتْ وهو ما زال يبكي عليها بعد الضياع، أمّا لامية الطغرائي.. يقول: فيها سأعلنُ كأننّي لن أعللّ إلاّ على ما تثيرهُ نفسٌ أو ما تمشّى ليستأثرُ بها التقصير، وعن هامش على مرثية إبن الريب.. حيث يقول:/ وأجَل، على نفسي بكيتُ/ وما بكيتُ على طللْ../ كان الغضا عصفاً، وقفراً داجياْ../ حتى سنأتي نحكي عن الشمام في بلاد السلام، ففي قصيدة "لا وجه، دون لحمتي وسدادي.." حيث يقول:/ لقلبي نكهة الشمّام، شمّيه إقطفيه،/ وأوصليني للسواحل يا طيور الماء،/ هيا يا غرانقُ، يا لقالقُ، يا إوزُ،/ فهو يصفُ ليلة قضاها في بلكيف: مصيف في شمال العراق. أمّا قصيدة "قناديل الدم.." ص51 وقنديل الزمان.. وقنديلُ الحلم ص55 كلّها تحلمُ كوردة ظهرت من رحم – النهرين فتغطي الأرض بالحب، أمّا في قصيدة" كيف أمحو؟" ص57 حيث يقول: / أرسمُ الصبح، شفيفاً مثلَ عين الديك، والأفق،/ وقد صفّقت الطيرُ به، والريحُ تمحو../ في هذه القصيدة يثبتُ الشاعر وجودهُ في البيت من دون سياج فيصبحُ معرّضاً للريح من دون أيّ وعود، أمّا قصيدة "زمان القش والخشخاش ص59 يقول:/ إليّ إليّ، أيّتها البعيدة والقريبةُ،/ وأنزعي الأدغالَ من رئتيّ، والصبّير من صدري،/ ينادي بها حبيبته القريبة البعيدة غدر الخلجان وسطوة السيف، فما زال يجوب الصحراء فوق عرش أهدابها، وفي قصيدة " حرقة الوجد" ص65 ينبأُ بمطارق الحدادين على براميل يابسة موصودة تعيشُ فيها عقارب صفر وأفاعي سود، بعد ذلك ننتقل إلى قصيدة " ُثمالة" ص54  التي يقول فيها: / نصف قتيل أنت، ونصفٌ تحت القتل، / وها.. كلُّ مدائنك الكبرى، والصغرى ضربتْ، / خاصرة خاصرة حتى لفظتْ آخر ما يترقرقُ في عينيها، / من أقمار وأنهار، وذكرى.. /.  يبني بها مدناً كلّما شرب من خاصرة الزمن، وفي ص68 تظهر قصيدة " هذا الغاب" حيث يقول: / كيف تحلّقُ في هذا الغاب المفتوح، من التيه إلى التيه؟.. ورغم عزلة الشاعر نراهُ يبحّ عن الضوء كي يسكنُ فيه. وتظهرُ قصيدة ظمأ ص57 بقوله: / آخرُ كأس أنت، وآخرُ قطرة نور.. وأنا آخرُ طائر بيداء، ظمآن، / وآخرُ قنديل مكسور.. لو شئت، خلعتُ الدنيا أجمعها،/ ولبّستك مشكاةً من ذهب،/. ومن قصائده المجلجلة لتاريخنا الأدبي في هذا العصر قصيدة: " في البدء كانت.. وفي الختام.." يقول: / هززْت بغصن القلب، حتى تفتّحا / وأصغى لأجراس الندى، تملأُ الضحى/. ما زالت شظاياهُ تتطاير بل هي معها، والزمانُ ما زال يتطوحُ تطوحاً نادماً باكياً على أمسه الجميل الذي ما زالت الروح ساكنة فيه كما ذكر، وقد ألحّ على لم قصته من أفق الصمت، وتظهر" أوراق من مخطوط موصلّي" ص62 كعنوان: لعدد من القصائد القصيرة تبدأُ قوس من رخام إلى حد النهاية تقريباً، يحكي عن الآثار الدارسة لقلعة باشطابيا الأثرية في الموصل، والثور المجنّح الذي لم يتهشّم بعد، وورقة المحلة فيها مئذنة تحضنُ بيتاً عند شرفات السطوح ملتفّات بعباءات سود، وهنا ينوه الشاعر إلى بيوت الميدان القديمة التي تطوي بيتاً ببيت خلف زقاق مهجور.. نراهُ يقولُ: في بيوت رقم ( 5) ص69، / لم يزل في عيوني، / فضاءٌ لطيارة ورقية.. / وعلى غصن قلبي فرخ يمام.. / ومن القصائد القصيرة " أسواق، وأغصان البان" كلّها تضجّ بأصحاب المكان، حتى إن لم يورث كلٌ حرفته لبنيه وحمام السوق صباحاً، وقصيدة" حداد" ص73 حيث يقول: / جيلٌ يأتي.. ويغادرُ جيلٌ،/ وهو على سندان العمر،/ يدقّ حديداً فوق حديد، حتى صارت يدهُ مطرقةً /. تصعدُ.. تهبطُ، صبحَ مساء.. / واليوم – وقد شاب وذابَ- يدقّ على الماء.. والماء هو الماء.. /. وتليها قصائد كثيرة مثل: سرّ في بئر، ودقّوا على الخشب، وزمنٌ آخر، وورقة النهر، والخيط ص80 حيث يقولُ فيها: / إنّها طيارة من ورق، والأفقُ مغبرٌ، فمن وسوسَ لي، من صاح بي: / " لا تقطعُ الخيط، وحلّق معها؟!"،/ حلّقتُ... حلّقتُ بعيداً، ربّما أبعد من حلم إبنة الجيران، حتى جرّني الخيطُ، / إلى أبعد واد ضيق ضاعَ به الحلمُ، وضعتُ/. يتضح من ذلك بأن شاعرنا المرحوم معد صاحب رؤية واضحة نحو قضايا الوطن والمرأة، لهُ أسلوبه الفني، وقد جسّد من خلال نصوصه الشعرية رؤىً واضحة، فهو شاعر حداثوي يمتلك أدواته الشعرية، يؤثر بالشعراء ويتأثر بهم. وثقافته المكتسبة هذه ساعدتهُ في تشكيل الروافد الثقافية. وفي قصيدة" عتابة" ص92 يقول: / تفرّق كلّ أحبابي، وراحوا / وراحت بعدهم كأسٌ وراحُ / تكفكفُ دمعتي راحٌ... وراحُ / تودّعُ ما تبقى من شباب /. لم تكن نافذتهُ موحشة لتنزع غطاء قلمه. لم يكن خائفاً من المستقبل، بقدر ما هو مكشوفٌ تحت الشمس، لقد شارك في قصائده تقريباً عدد كبير من بحور الشعر منها: الطويل، الوافر ومجزوئه، المتدارك والخبب، الرمل، الكامل، الرجز...إلخ. وفي ص93 تظهر قصيدة " وردة الديرْ" يخوض الشاعر تجربته الجديدة بشعر التفعيلة من الشعر الحر لزملائه الرواد الذين سبقوهُ، بدر شاكر السياب، نازك الملائكة، عبد الوهاب البياتي وغيرهم، حيث يقول: / الشمسُ تهبطُ خلفَ آخر صخرة، / في قمّة الجبل البعيد، / ونحنُ نصعدُ/ ربّما لم نصغ للأجراس / لكن... ها هو الديرُ العتيقُ، / يُلوحُ في الشفق الشفيفْ، / هذا النوع من الشعر يشكلُ صدمة للقارىء، لما تدخلُ به سرعة العواطف وعلى تنظيم الزمن وتكثيفه، والشاعر هنا كشبح ينتقلُ بين الأبنية الشاهقة، ليحسب مدى الضياع والغربة التي لامست مدينته الموصل، رغم تحرك ذاتهُ المفردة في الطريق، يرتبطُ هذا الإنسان بمدينته بعيداً عن العلاقات المادية، وإنّما الرجوع لله وزهدياته والتعبد في الصومعات رغم الوحدة والوحشة فقد يخلقُ شعوراً ثنائياً في قلب الشاعر، كالصداقة والجوع والعاطفة الغرامية كلّها تصبّ في عيون المدينة.

لتكون"حُرَق في فضاء الأرق" هذه التجربة الشعرية تنتمي إلى قصيدة التفعيلة الحديثة، وتنهض على بثلاثة محاور أساسية الهمّ الوطني، والإغتراب الوجودي، وإستدعاء الذاكرة المكانية والتاريخية، وهي فترة إتّسمت بالتحولات العنيفة في العراق، الأمر الذي إنعكس بوضوح على البنية الدلالية والصورية للنصوص.

أولاً: هيمنة الرؤية المأساوية

يفتتح الشاعر مجموعته بقصيدة وجع يدقّ الروح"" التي تُعدّ مفتاحاً دلالياً لقراءة الكتاب كلّه، إذ تتكرّر صورة الألم بصورة إيقاعية.

 يومٌ عبوسٌ/

خلفه يومٌ عبوس / (ص5)

ويبلغ الإحساس بالمأساة ذروته في قوله:

"/ وأنا الذي لو أنزلوا حزني

على حجرٍ من الصوّان

لانفطر الحجر/ (ص5)

هنا يعتمد الشاعر المبالغة التعبيرية لتكثيف حجم المعاناة، فتتحول الذات إلى مركز للألم الجمعي، ولا يعود الحزن شعوراً فردياً بل حالة وطنية شاملة.

ثانياً: الصورة الشعرية بين الواقعي والرمزي

يمتلك الشاعر قدرة واضحة على إنتاج صور مركبة تجمع بين الواقع والرمز، كما في قوله:

"/ كانت خنازير الدجى صوبي تدبّ / (ص5)

فالظلام لا يُقدَّم بوصفه ظاهرة طبيعية، بل يتحوّل إلى كائن وحشي يزحف نحو الإنسان

 وفي قصيدة: «جرس الحمّى» يرسم صورة مرعبة للمدينة

""ورصاص يصفع الصمت

وأنفاس طيور تُذبح" (ص23)

وهي صورة تقوم على المفارقة بين الصمت والعنف، فتجعل القارئ يعيش حالة الإختناق التي تعيشها المدينة.

ومن أجمل الصور في المجموعة قوله:

"وأطلعت النجوم من الحجر" (ص26)

إذ تتحوّل النجوم إلى نتاج للمقاومة والإرادة، وهي صورة تجمع بين الصلابة والجمال في آن واحد.

ثالثاً: حضور المكان بوصفه هوية

يحتل المكان مساحة واسعة في المجموعة، ولا سيما الموصل ونينوى

 في قصيدة « وأنا البعيد أنا القريب » تتحول نينوى إلى معشوقة ورمز حضاري

""غزالةً سميتُ من أهوى

وأعني: نينوى" (ص26-27)

ويبلغ الإندماج بين الذات والمكان ذروته في قوله:

/ هي ذي أمامي /

وأنا هناك.. أنا! / (ص27)

فالمكان هنا ليس إطاراً خارجياً، بل إمتداد للهوية الشخصية.

 أمّا في قصيدة «جرس الحمّى» فتظهر الموصل مدينة جريحة

" وكانت الموصل شلال حرير" (ص22)

ثمّ تتحول إلى فضاء مهدّد بالحرب والخراب، وهو إنتقال يكشف عن الصراع بين الذاكرة والواقع

رابعاً: إستدعاء التراث

 من أبرز سمات المجموعة إنفتاحها على التراث العربي، ويتجلّى ذلك في قسم الذي يضمّ: «هوامش خاصة

هامش على بكائية ديك الجن (ص15)

هامش على لامية الطغرائي (ص17)

هامش على مرثية إبن الريب (ص19)

وهذا التوظيف لا يأتي على سبيل الإقتباس، بل على سبيل الحوار مع النصوص التراثية وأستحضارها في سياق معاصر.

ومن أجمل المقاطع في هذا الباب قوله:

  / هوذا دمي المسفوح /

 كالعنقاء أولد منه ثانيةً / (ص20)/

إذ يستثمر رمز العنقاء للدلالة على التجدّد بعد الإنكسار

خامساً: البعد الوطني والقومي

يتكرّر حضور العراق بوصفه محوراً مركزياً في التجربة الشعرية

 في قصيدة « قناديل الدم » يقول

"والعراق لا ينام" (ص40)

وفي موضع آخر:

وأحلم أنّ وردةً //

من رحم النهرين تأتي /

 فتغطي الأرض بالحب / (ص43)/

هنا يتحوّل الحلم إلى فعل مقاومة في مواجهة الخراب، ويصبح الشعر أداة لحماية الأمل.

سادساً: اللغة والإيقاع

لغة المجموعة تجمع بين الفصاحة والشفافية، وتعتمد على:

التكرار الإيقاعي

الجمل القصيرة المتلاحقة.

الصور المتدفقة.

الإيقاع الداخلي أكثر من الإعتماد على القافية.

ومن أمثلة التكرار الناجح:

/ هل أراهم،

هل أراه،

هل أراها؟ / (ص14)

إذ يخلق التكرار حالة من التوتر والإنتظار.

رغم القيمة الفنية العالية للمجموعة، يظهر الإفراط في الحزن.

تكاد معظم القصائد تدور في فلك الألم والخسارة، ممّا يجعل مساحة الفرح أو التنوّع الشعوري محدودة.

كثافة الرمز أحياناً.

 وفي بعض المقاطع تصبح الرموز متراكبة بصورة قد تُضعف وضوح الدلالة، كما في بعض أجزاء        قصيدة" الجرح يجيءُ البرق" (ص8-10)

التكرار الموضوعي:

تتكرر مفردات مثل:

الجرح

الدم

الليل

الحلم

الغياب

بكثافة ملحوظة، وهو ما يؤدي أحياناً إلى تشابه المناخ الشعري بين عدد من القصائد.

تُعدّ "حُرَق في فضاء الأرق" خلاصة القول من المجموعات التي تمزج بين الوجع الشخصي والهمّ الوطني، وتستثمر الذاكرة الموصليّة والعراقية في بناء عالم شعري غني بالرموز والصور. وقد نجح الشاعر الرائد المرحوم معد الجبوري في تحويل التجربة التاريخية القاسية إلى نصوص تمتلك   طاقة شعرية عالية، خصوصاً في قصائد « وجع يدقّ الروح» «جرس الحمّى» و« وأنا البعيد أنا القريب» و«قناديل الدم»، ممّا يجعل المجموعة وثيقة شعرية وفنية مهمة لمرحلة مفصلية من تاريخ العراق.