للذهاب الى صفحة الكاتب   

قصة قصيرة/ أثرٌ على وجه التراب

صالح مهدي محمد

 

 

يتسلل الصباح إلى القرية وئيداً من بين شقوق السقوف القشّية، كمن يخشى إيقاظ الطمأنينة. يوقظ الدجاج أولاً، ثم يدبّ في العجلات الخشبية التي حفظت صريرها عن ظهر قلب، أغنيةً رتيبة لا تملّ التكرار.

في الساحة العتيقة، يقف رجل أثقلته السنون فوق عربته. يرفع أكياس القمح، ومع كل كيس يودعه متن العربة، ينزل شيئاً من تعب قلبه إلى الأرض. وإلى جواره يقف الحصان بصبر يفيض حكمة، يحرّك رأسه ببطء، فيوافق على مرارة ما لا يُقال. وعلى مقربة منهما، يتهادى البط بلا اكتراث، مختزلاً الوجود كله في بركة ماء راكدة وحدود من طين.

في زاوية منسية، يختبر طفلان عبث الوقت؛ أحدهما يقذف الحجر نحو السماء، والآخر يرقب سقوطه. لم يدركا بعد أن الأيام في هذا الحيز الضيق لا تُقاس بالساعات، بل بعدد المرات التي تعود فيها الشمس لتلامس الشق نفسه في الجدار الطيني.

ثم… ينفرش الطريق؛ ذلك الامتداد الترابي الخارج من قلب القرية نحو المجهول، شرياناً يرفض العودة.

على حافته تمشي فتاة صغيرة وئيداً. في الظاهر، تقود سرباً من الإوز، وفي الحقيقة تقود فكرة الرحيل التي نضجت في رأسها الصغير. خطواتها خفيفة واهنة، غير أنها تترك في جدار الوقت أثراً أثقل من كل العجلات الثقيلة التي عبرت هذا الدرب قبلها.

وحين تبلغ الجسر الخشبي المتآكل، تلتفت مرة واحدة وأخيرة. لا تحمل نظرتها وداعاً للبيت، بل تفحصاً لما خلّفته خلفها: ضحكة طفولة عالقة في الهواء، وظلاً صغيراً على الجدار، واسماً دافئاً تناديها به أمها كلما آذن الغروب بالرحيل.

في تلك اللحظة بالذات، تبدو القرية بأكملها حابسة أنفاسها؛ ككائن حي يدرك في أعماقه فقدان جزء غامض منه... جزء لا يعود أبداً.

منذ ذلك اليوم، تتوالى الفصول... تغدو العربة تمر، ويشيخ الحصان، ويتبدل الأطفال ويكبرون. يتغير كل شيء، ويظل الطريق وحده واقفاً على رصيف الانتظار، يتلمس خطى تشبه خطواتها؛ خطى لا تعبر التراب فحسب، بل تنقص العالم شيئاً من روحه كلما نأت.

ثم، في مساء بدا كأنه لم يغادر مكانه منذ سنوات، ظهرت عند حافة الطريق هيئةٌ يعرفها التراب قبل العيون. لم يلتفت أحد إليها أول الأمر؛ وحدها الإوزة العجوز رفعت رأسها، ثم انحنى الهواء قليلاً.

وقفت الأم عند العتبة، كأنها كانت تؤدي الوقفة نفسها كل مساء.

قالت: – أأبطأ الطريق... أم أسرعتِ أنتِ؟

أجابت الفتاة، بعد صمتٍ عبر بينهما: – لا أعرف أيُّنا كان يمشي في الآخر.

ظلّ الباب مواربًا.

قالت الأم: – تركتِ اسمك هنا.

لامست الفتاة الجدار بطرف أصابعها، كأنها تقرأ شيئًا محفورًا لا يُرى.

– وما الذي كان يناديني إذن؟

لم تُجب الأم. نظرت إلى الأثر الخافت تحت القدمين، ثم همست: – لم يكن يكبر.

رفعت الفتاة بصرها، لا إلى وجه أمها، بل إلى الشق الذي اعتادت الشمس أن تمر منه.

– أما أنا... فقد صار المكان يتذكّرني أكثر مما أتذكّره.

هبّت نسمة قصيرة، فتزحزحت ذرات التراب فوق الطريق، واختلط الأثر القديم بآخر طريّ، حتى بدا أن القرية لم تستقبل عائدة، بل استعادت سؤالاً ظلّ مفتوحاً كل تلك الأعوام.