للذهاب الى صفحة الكاتب   

قصة قصيرة- الرسالة

صالح مهدي محمد

 

لا تُقصد الأماكن؛ إنما ما يلتف حولك حين تظن أنك وصلت.

دخل أحمد إلى المكتبة يتأمل الأغلفة المصطفة على الرفوف. كانت الإضاءة لا تكشف شيئًا إلا لمن يطيل النظر، وكان الصمت الذي يملأ المكان غيابًا مكتظًا بأسماءٍ نسي أصحابها العودة إليها. راح يفتش عن كتاب، فإذا بشقٍّ في الزمن يسرّب ما لم يُمحَ.

وقع بصره على غلاف يشبه بقاءً مثقوبًا؛ حوافه مهترئة، ولونه يشي بذاكرةٍ أنهكها حملُ نفسها. وما إن لامسه حتى لم يفتح كتابًا، بل أيقظ زمنًا كان يتظاهر بالموت.

اقتناه بثمنٍ لا يليق بما يخفيه.

في غرفته، حيث الأشياء تتقن التواطؤ، فتح صفحاته بإصغاءٍ غامض. وما إن قلّبها حتى سقطت ورقة من بين الصفحات. توقف. التقطها بحذرٍ لا يخصه.

لم يكن النص حبرًا؛ كان ترددًا داخليًا استهلك نفسه:

"تأخرت بما يكفي لأفقد الحق في التصحيح. جملةٌ قلتها في غضب صارت عمرًا. لو عاد الوقت، لاخترت الصمت كي لا أخسرك."

قرأها كأنه يمنح الهواء لشيءٍ اختنق منذ زمن.

دخلت أمه، نجاة، فرأت الشرود أوضح من الجسد.

– ما الذي يثقل قلبك؟

رفع الورقة وقال:

– لا شيء.

مرّت عيناها على السطور، ثم أعادتها إليه كما يُعاد عبءٌ شخصي.

– الكلمات لا تموت؛ إنها تتأخر حتى تخفَّ قسوتها.

في الغد، لم يبحث عن اسمٍ أسفل الرسالة، ولا عن ثغرةٍ يُعاد عبرها ما لا يعود. سأل وجوهًا أكلها الزمن وبقيت ملامحها، وطرق أبوابًا لم تعد تنتظر أحدًا، حتى قاده التعب إلى بيتٍ عند الحافة، حيث تنتهي الحكايات قبل أن تُروى.

وقف طويلًا. كان يشعر أن الطرق قد يفسد توازن ما بقي. ثم طرق.

فتح له وسام؛ رجل يحمل على وجهه ملامح اتفاقٍ قديم مع الخسارة.

– هل أنت...؟

أجاب بصوتٍ خافت:

– كنت. ماذا تريد؟

مدّ أحمد الورقة.

– هذه لم تضع... تأخرت فقط.

لم يأخذها مباشرة. ظل ينظر إليها كما لو أنها مرآة تعيد إليه وجهًا ناقصًا. وحين لمسها، ارتجف التذكر. قرأ، أو لعلّه عاد. وعند السطر الأخير توقفت عيناه؛ صار العبور أثقل من الكلمات، وانزلقت دمعةٌ تأخرت عن نفسها.

جلس بصمت، ثم قال:

– خطُّه... كنت أظن أن الصمت أكمل ما بدأه.

ساد بينهما صمتٌ قصير، كفاصلٍ موسيقي مكسور.

– كنا قريبين حدَّ الخطأ. اخترنا كبرياءً سدَّ الفهم. انتظر كلٌّ منا أن يبدأ الآخر، حتى كبر الصمت وصار قرارًا.

سأله أحمد:

– وهل التقيتما بعد ذلك؟

هزّ رأسه.

– لا. قيل إنه رحل... وبقيت أنا مع جملةٍ لم تُقل.

ارتسمت على وجهه ابتسامة شاحبة، خفيفة كاعتذارٍ وصل بعد الدفن.

– الكلمات لا تضيع؛ إنها تتيه لتصل متأخرة، متأخرة بما يكفي لتفعل ما لا تستطيع إصلاحه.

شعر أحمد أنه لم يسلّم ورقة، بل أزاح حجرًا عن صدر زمنٍ ظل يتنفس بصعوبة.

وعند الباب، ناداه وسام:

– لا تصدق الصمت حين يكون الكلام ممكنًا. بعض الفرص لا تُعاد، وبعض الاعتذارات لا تجد طريقها إلا بعد أن يتبدل كل شيء.

خرج.

كان الغروب لا ينهي شيئًا؛ إنما يترك الأشياء معلقة بين الرحيل والانتظار.

وأدرك أن الرسائل لا تُكتب دائمًا لكي تُقرأ، بل لكي تنجو. وأن أصدقها يعبر المسافات متأخرًا...