للذهاب الى صفحة الكاتب   

قصة قصيرة/ مطر كثيف

صالح مهدي محمد

 

 

ينهمر المطر الكثيف كستارة من خيوط فضية، يسدلها الغيب على نوافذ المدينة ليحجب فضول النهار وعجلة المارة.

 

في زاوية المقهى الهادئ أعلى البناية، رجل يضع كفه على حافة النافذة، كأنه يصغي لنبض الشوارع وهي تغرق ببطء في نهر من صمت مبلل. المطر عنده ذاكرة جماعية هائلة أفرغت دفعة واحدة فوق رؤوس الناس؛ كل قطرة ترتطم بالزجاج فكرة قديمة تخلت عنها غيمة، أو شهقة حنين أطلقها غريب في ليلة بعيدة، فبقيت معلقة في طبقات الهواء حتى أثقلها الغياب فسقطت.

 

داخل هذا السكون، أسئلة تتكاثر بلا صوت. حديث خفي مع النفس، بصفاء بحيرة لا تموج إلا من الداخل. هل يغسل هذا الغيث وعثاء السنين أم يفتح أبواب الذاكرة على مصاريعها؟ هل يرمم الشروخ أم يكشفها أكثر؟

 

الجواب يأتي خافتًا: المطر لا يمحو بقدر ما يترك مساحة لكتابة أخرى.

 

صوت الصديق، الجالس قبالته، كسر العزلة. ارتشف من قهوته وقال بهدوء:

 

«أراك شارد العينين، مأخوذًا بانهمار الغيث، كأنك تنتظر نهاية ما أو بداية لا تشبهها.»

 

التفت نحوه بابتسامة باهتة، بينما بقيت عيناه معلقتين بالخارج:

 

«هذا الهطول لا يمر مرورًا عاديًا. شيء ما في الداخل يستيقظ معه. انظر إلى تلك المركبات البعيدة... أليست شبيهة بنا؟ تركض بحثًا عن مأوى داخل عاصفة لا تنتهي.»

 

أمال الصديق رأسه قليلًا، متابعًا انزلاق الماء على الزجاج:

 

«أنا لا أرى سوى آلات تحاول النجاة من البلل، بينما تراها أنت قصائد تائهة. تحول التفاصيل الصغيرة إلى حكاية كبرى.»

 

ابتسامة خفيفة مرت على وجهه قبل أن يقول:

 

«ربما لأن الخيال هو ما يبقينا أحياء. بدونه تصبح هذه الجدران أكثر قسوة مما تحتمل. المطر يمنحنا عذرًا للبكاء... دون أن ينكشف أحد.»

 

لامست أصابع الصديق دفء الفنجان، وقال بنبرة أقرب للمزاح:

 

«أو تبحث عن تطهير كامل، بداية بلا ذاكرة.»

 

في الخارج، بدأت الملامح تذوب. الأرصفة فقدت حدودها، والسيارات البعيدة بدت كقوارب ورقية تتخبط في بحر رمادي، مصابيحها واهنة، كأنها تهتدي إلى بر لا وجود له.

 

الإيقاع وحده يملأ المكان... سقوط منتظم يعيد ترتيب الفوضى بشيء من الوقار. الرعد ليس مخيفًا، بل تنفس طويل للسماء، والبرق ومضة سريعة تلتقط صورة للمدينة في لحظة صدق عارية.

 

مع اشتداد المطر، لم تعد الجدران صلبة كما كانت؛ خفّت، شفّت، كأنها جزء من هذا السائل الممتد. امتزجت رائحة التراب المبلل ببقايا قهوة باردة تُركت دون انتباه.

 

انفرجت النافذة قليلًا. تسلل رذاذ بارد، مرّ على الوجه كلمسة خفيفة، ومسح شيئًا من تعب الأيام دون أن يزيله تمامًا.

 

في تلك المسافة المعلقة بين الداخل والخارج، لم يعد واضحًا أين ينتهي أحدهما ويبدأ الآخر.

 

سكت الاثنان. لم تعد هناك حاجة للكلام.

 

المطر يملأ الفراغ كله.

 

وعلى الزجاج، حيث تتجمع القطرات ثم تنزلق ببطء، بدا المشهد كأن المدينة تعيد رسم نفسها... مرة أخرى، وبملامح أقل يقينًا.