للذهاب الى صفحة الكاتب   

التهميش واغتراب الوجود

في عالم (بشر نسيهم الله) للروائي ألبير قصيرى

يونس متي

 

تقدّم المجموعة القصصية (بشر نسيهم الله) للكاتب ألبير قصيرى(*) عالما إنسانيا يبدو في الظاهر هامشيا، لكنه في العمق يكشف بنية اجتماعية قائمة على الإقصاء والتهميش. وما تكشفه عناوين القصص نفسها يعزز هذا المعنى منذ البداية، فهي لا تشير إلى أبطال أو أحداث استثنائية، بل إلى بشر وحالات وجودية تقع خارج المركز الاجتماعي. فعنوان مثل (بشر نسيهم الله) يحيل مباشرة إلى مفهوم فائض السكان في التحليل الماركسي، حيث يُنتج النظام الاجتماعي فئات بشرية لا تجد موقعا لها في عملية الإنتاج، فتُدفع إلى الهامش دون وظيفة اقتصادية أو اجتماعية واضحة. قصة (ساعي البريد ينتقم) تجسد شخصية هامشية تعيش على تخوم المجتمع، تؤدي وظيفة شكلية لكنها بلا قيمة حقيقية في بنية الإنتاج أو في وعي الآخرين. ساعي البريد هنا ليس مجرد فرد، بل هو تمثيل لإنسان مُهمش، يُرى ولا يُعترف به، يمر يوميا بين الناس حاملا رسائلهم، دون أن يمتلك رسالة تخصه أو مكانة تعترف بوجوده. هذا التهميش الصامت يتراكم ليُنتج لحظة انفجار، حيث يتحول (الانتقام) إلى فعل رمزي ضد مجتمع تجاهله وألغاه. إنه ليس انتقاما فرديا بقدر ما هو تعبير مشوه عن رغبة في إثبات الوجود داخل بنية أقصته مسبقاً.

وبذلك، تكشف هذه القصة عن أحد الامثلة لـ (فائض السكان) في الواقع الاجتماعي، حيث يتحول الإنسان من كائن فاعل في الإنتاج إلى كائن زائد عن الحاجة، لا يجد وسيلة للتعبير عن ذاته إلا عبر فعل عنيف أو منحرف، يعكس في جوهره أزمة بنيوية لا خللا فرديا. أما قصة (البنت والحشاش) فتعكس حالة الاغتراب داخل الهامش نفسه، حيث تتفكك العلاقات الإنسانية وتفقد معناها، ويصبح الإنسان غريبا حتى داخل محيطه القريب. وفي قصة (الحلاق يقتل زوجته) يتجسد مفهوم العنف البنيوي، إذ لا يُفهم الفعل بوصفه حادثة فردية معزولة، بل كنتيجة لضغط اجتماعي واقتصادي طويل يولّد انفجارا داخل الحياة اليومية. بينما يكشف عنوان (خطر الفانتازيا) عن حضور الوعي الزائف بوصفه هروبا إلى الخيال بدل مواجهة الواقع المادي، بما يعكس عجزا عن إدراك الشروط الحقيقية للتهميش. وأخيرا فإن قصة (الجياع لا يحلمون إلا بالعيش) تعبر عن انكماش الأفق الإنساني تحت ضغط الحاجة ، حيث يُختزل الوعي في حدود البقاء البيولوجي، بما يدل على تآكل أي إمكانية لتشكل وعي تغييري.

 

هذه العناوين ليست مجرد تسميات، بل هي تشخيص مكثف لبنية العالم الذي تبنيه القصص، عالم لا يُقصي الأفراد فقط، بل يواصل الإقصاء ويعيد إنتاجه كحالة دائمة. فالشخصيات فيها ليسوا مجرد فقراء، بل بشر أُبعدوا عن الدورة الاقتصادية والاجتماعية، وفقدوا أي دور منتج ، ليغدوا بالتالي أقرب إلى فائض بشري يعيش على هامش الحياة. وهنا يتحول الفقر من حالة مادية إلى وضع وجودي، يصبح فيه الإنسان بلا أفق أو إمكانية حقيقية للتغيير.

 

وما يميز هذا العالم أن التهميش ليس عارضا، بل نتيجة بنيوية لنظام اجتماعي لا يكتفي باستغلال الأفراد، بل يدفع بعضهم إلى خارج عملية الإنتاج بالكامل. فهذه الفئات لا تُستثمر كقوة عمل، بل تُترك خارج السوق والعمل، في شكل من الإقصاء الذي يمثل أحد أكثر أنماط العنف قسوة، لأنه يحرم الإنسان حتى من موقعه داخل الصراع الاجتماعي ويجعله خارج شروط الفعل ذاته.

 

ورغم هذا الوضع، لا تتجه الشخصيات نحو وعي ثوري أو فعل منظم، بل نراها تميل إلى التكيف مع البؤس، مع شعور غامض بوجود خلل في العالم دون القدرة على تفسيره أو تغييره. وهنا يظهر ما يمكن تسميته بـ (الوعي الإدراكي غير المنتج)، وهو وعي يدرك الواقع ويلاحظ تناقضاته، لكنه لا يتحول إلى فعل تغييري، بل يكتفي بالمشاهدة والتعليق والسخرية دون قدرة على التأثير.

 

في مثل هذا الواقع، تصبح السخرية آلية مركزية للتعامل مع الواقع ، لكنها ليست أداة تغيير بل شكل من أشكال التكيف النفسي. فهي تكشف تناقضات المجتمع وتفضح زيف القيم السائدة، لكنها تبقى محصورة في المستوى الرمزي دون أن تتحول إلى قوة مادية قادرة على الفعل.

 

وتتعمق الصورة أكثر مع غياب التضامن، حيث تعيش الشخصيات في عزلة شبه كاملة، بلا روابط اجتماعية فاعلة أو مشروع جماعي. المجتمع هنا يبدو مفككا، بلا طبقة واعية بذاتها، ولا إمكانية لتشكل حركة تغيير، وهو ما يعكس تفكك النسيج الاجتماعي نفسه.

 

أما السلطة، فهي لا تظهر دائما بشكل مباشر، بل تتجلى عبر نتائجها كالفقر، والإهمال، وانعدام الفرص. وهي تعمل اغلب الاحيان عبر الغياب، وعبر ترك هذه الفئات في الهامش دون حماية أو أفق، وهو شكل من اشكال الهيمنة التي لا يحتاج إلى عنف مباشر بقدر ما يحتاج إلى استمرار الإقصاء.

 

وفي هذا الإطار يصل الاغتراب إلى أقصى درجاته، حيث لا ينفصل الإنسان عن عمله فقط، بل عن المجتمع ومعنى وجوده ذاته، ليصبح البقاء اليومي هدفا وحيدا واساسيا للحياة. إنها شخصيات تعيش خارج التاريخ، بلا قدرة على تغييره أو حتى تخيله.

 

وإذا قرأنا هذا العالم في ضوء الواقع العراقي، يمكن ملاحظة تشابهات واضحة، حيث تتسع الفئات المهمشة خارج دائرة الإنتاج في ظل اقتصاد هش وتفكك اجتماعي. وهذه الفئات لا تتحول بالضرورة إلى قوة تغيير، بل غالبا ما تنزلق إلى أشكال من اللامبالاة أو يعاد دمجها في بنى زبائنية تعيد إنتاج وضعها.

 

وفي هذا السياق، تكشف دراسة الفئات الرثة والتهميش في العراق أن الظاهرة لا تُفهم كمشكلة فردية أو كموضوع أدبي، بل كحالة بنيوية مرتبطة بطبيعة الاقتصاد الريعي وضعف البنية الإنتاجية. وكما توحي مجموعة (بشر نسيهم الله) بشكل رمزي ، فإن الواقع الاجتماعي ينتج فئات واسعة تعيش خارج الدورة الاقتصادية، دون إمكان حقيقي للاندماج أو التحول إلى قوة اجتماعية فاعلة.

ويؤدي هذا الوضع إلى إعادة إنتاج مستمرة لدائرة التهميش والاغتراب، بحيث لا تبقى الظاهرة حالة عابرة ، بل بنية مستقرة داخل المجتمع.

 

(*) (3 نوفمبر 1913 - 22 يونيو 2008) وُلد في حي الفجالة بالقاهرة، في أسرة من أصول سورية. كتب بالفرنسية رغم كونه مصريًّا، مما أكسبه لقب (الفيلسوف/ الساخر المميز) في الأدب المصري - بعض النقاد أطلقوا عليه لقب (فولتير النيل). غلب على حياته أسلوب (الكسل الهادئ): يُروى أنه اعتاد أن يكتب ببطء شديد، ما منحه أسلوباُ خاصاً، لكن أيضاً قلّة إنتاج مقارنة بعمره. ومع ذلك فقد أصدر عدة أعمال عبر عقود، منها قصص وروايات، وكان اهتمامه الدائم بـ (البسطاء) - عامة الناس في شوارع القاهرة - ليس كضحايا فقط، بل كمفكرين أو (أبطال هزليين).