
قصة قصيرة/ الغرفة رقم تسعة
صالح مهدي محمد
تبدّلت حركة المدينة كما لو أن يدًا خفية أعادت ترتيبها؛ النوافذ تستقبل الضوء على مهل، والطرقات تسترجع وقع الخطوات كما تسترجع الذاكرة أسماءً أرهقها النسيان. وحده المستشفى ظلّ يقاوم تعاقب الساعات بوجهٍ واحد؛ لا يعترف بما يجري خارج جدرانه، بل بزمنٍ آخر، تقيسه الأجهزة، وتعدّه الأنفاس، وتقطعه الممرات الطويلة التي تمضي فيها الأقدام أكثر مما تصل.
دخل هاشم من البوابة الرئيسية دون أن يلتفت إلى اللافتة المعلقة فوقها. لم يكن قد جاء زائرًا ولا مريضًا. حمل في يده ظرفًا بنّيًا صغيرًا، وفي جيبه قرار تعيين لم يجف حبر توقيعه بعد. كانت هذه أول وظيفة يحصل عليها بعد سنواتٍ من الانتظار، ومع ذلك لم يشعر بأنه بدأ شيئًا جديدًا؛ بدا له الأمر وكأنه وصل متأخرًا إلى حكايةٍ كانت تمضي من دونه.
قادته موظفة الاستعلامات إلى الطابق الثاني. كانت تتحدث بلهجةٍ معتادة، كما لو أنها تحفظ الطريق أكثر مما تحفظ الكلمات. توقفت أمام باب كُتب عليه: الغرفة رقم تسعة. قالت: "هنا تبدأ." لم يطلب تفسيرًا. شكرها، ودخل.
لم تكن الغرفة كبيرة. سريران، نافذة تطل على ساحةٍ داخلية، خزانة معدنية، وطاولة تتكدس فوقها ملفات بأغلفة باهتة. لم يكن فيها ما يلفت النظر، سوى أن الأشياء بدت وكأنها استقرت في أماكنها منذ زمن بعيد حتى فقدت الرغبة في التغيّر.
على السرير القريب من النافذة كان يرقد رجلٌ نحيل تجاوز الستين، يراقب الشجرة في الخارج بعينين ثابتتين، كأنهما تخشيان أن يغيّر الالتفاتُ شيئًا من المشهد. أما السرير الثاني فكان خاليًا، ترتفع فوقه ملاءة مشدودة بإتقانٍ يوحي بأن أحدًا غادره منذ قليل، أو أنه لم يصل إليه بعد.
فتح هاشم الملفات. الأسماء كثيرة، لكن الوقائع تتشابه على نحوٍ يثير القلق. دخول، علاج، انتظار، خروج... أو سطرٌ قصير ينتهي عند كلمة: "توفي".
أغلق الملف الأول. لم يكن ما أزعجه الموت، بل الطريقة التي تحوّل بها إلى خانةٍ في جدول، تُكتب بالقلم نفسه الذي تُدوّن به درجة الحرارة أو موعد تبديل الضماد.
دخلت الممرضة تحمل عربةً صغيرة، ألقت عليه تحيةً سريعة، ثم اقتربت من الرجل العجوز. قالت: "كيف كانت الليلة؟" ابتسم ابتسامةً بالكاد ظهرت. "مرّت."
هزت رأسها ومضت. ظلّت الكلمة معلقةً في ذهن هاشم. لم يقل الرجل: كانت جيدة أو سيئة، مؤلمة أو هادئة. قال فقط إنها مرّت، وكأن مرور الزمن صار الإنجاز الوحيد الذي بقي في متناول الإنسان.
في الظهيرة امتلأت الممرات بحركةٍ لا تهدأ. أطباء يعبرون بخطواتٍ سريعة، عمّال نظافة يدفعون العربات، مراجعون يحملون صور الأشعة كما يحملون أجوبةً لم يقرأوها بعد، وأقارب يقفون أمام الأبواب بوجوهٍ أنهكها الانتظار حتى صار يشبه ملامحها.
خرج هاشم من الغرفة قليلًا. في نهاية الممر رأى رجلًا يجلس وحده على مقعدٍ بلاستيكي، ينظر إلى الأرض منذ وقتٍ طويل. لم يكن يبكي، ولم يتحدث مع أحد، ولم يُظهر على وجهه ما يدل على أنه ينتظر خبرًا. كان ساكنًا إلى درجةٍ جعلت المارّين يتعاملون معه كقطعةٍ من أثاث المكان.
عاد إلى الداخل. سأل العجوز فجأة: "هل تعرف منذ متى وأنا هنا؟"
رفع هاشم رأسه. أجاب بعد أن قلب الملف: "ثمانية أشهر."
ابتسم الرجل. "إذن أنت تعرف ما يقوله الورق."
صمت قليلًا، ثم أضاف: "أما أنا فلا أعرف إلا عدد المرات التي تغيّر فيها لون الشجرة."
التفت هاشم نحو النافذة. كانت الشجرة عادية، لا تحمل ما يميّزها عن سواها، لكنه أدرك أن الرجل لم يعد يقيس الزمن بالتقويم، بل بما يتبدل خارج الزجاج؛ بورقةٍ تسقط، أو غصنٍ يجف، أو ظلٍ يطول قليلًا كل مساء.
قبل انتهاء الدوام دخل عامل الصيانة ليفحص مصباح السقف. وقف فوق السلم، فك الغطاء الزجاجي، بدّل المصباح، ثم نزل دون أن ينظر إلى أحد.
عاد الضوء كما كان. لكن الغرفة لم تصبح أكثر إشراقًا.
أحسّ هاشم أن الأماكن لا يغيّرها الضوء، وإنما ما تراكم فيها من نظراتٍ، وهمسات، وخيبات، وأملٍ مؤجل لا يجد طريقه إلى الخارج.
حين همّ بالمغادرة، التفت إلى الباب. كانت اللوحة المعدنية ما تزال تحمل الرقم نفسه: 9.
رقمٌ صغير، لا يختلف عن سواه في الممر الطويل، لكنه بدا له فجأةً أشبه بحدٍّ خفيّ يفصل بين عالمين؛ خارجه يستعجل الناس أعمارهم، وداخله يتعلمون أن الحياة لا تُقاس بعدد السنوات، بل بالطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى يومٍ جديد وهو يعرف أنه قد لا يكون مختلفًا عن سابقه، ومع ذلك ينهض لاستقباله.
