
قصة قصيرة/ رُفُوف
صالح مهدي محمد
في الظلمةِ المحتبسةِ خلفَ رفوفٍ آيلةٍ للسقوط، لا يفوحُ المكانُ برائحةِ الورق، بل بعبيرِ أزمنةٍ مُكدّسةٍ تُحتَضر. جدرانُ الدكانِ شهيقٌ متواصلٌ لم يُعقِبْه زفير، ومصباحٌ يتأسّنُ ضوؤه فوق البلاطِ المتآكل.
يقفُ «برهان» كشاهدِ قبرٍ منسيّ. عينانِ غائرتان تُفرزان الزوارَ بمهارةِ حانوتيّ: من جاء ليقرأ، ومن جاء ليختبئ، ومن جاء ليشتريَ ما لا يُقال.
انفتح البابُ فجأة، ليدخلَ «شاهين»؛ رجلٌ ذو معطفٍ رماديٍّ ثقيل، يجرُّ خطىً حذرة، وعيناه جمرتانِ ترقبان الزوايا. لم يلتفت إلى المجلّدات المذهّبة ولا إلى كتب التاريخ المصفرّة؛ بل اتجه رأساً إلى الرفّ الأخير، حيث تتكسّر الضوضاءُ وتختنقُ الفكرة.
في تلك اللحظة، تحرّكت أطياف الظلام في الزاوية المقابلة. كانت «نَارِين» تجلسُ على كرسيٍّ قشّيٍّ خفيّ، تلتقطُ بخيطٍ وإبرةٍ صمتَ المكان. امرأةٌ تسكنُ المتجرَ كأنها إحدى طيّاته، تخلعُ الحاضرَ وكافةَ أثوابه، وتنسجُ غطاءً للماضي. لم ترفع بصرها، لكنّ صوتَ احتكاكِ خيطها كان أشبهَ بنبضٍ بطيء.
سكن «شاهين» أمامَ الفراغ الممتدّ بين كتابينِ عتيقين. قال بصوتٍ كالهسيس:
ـ "هل ما زلتَ تبيعُ ما لا يُكتب يا برهان؟"
لم يتحرّك الرّجل. أزاح نظارته الثقيلة، وحطّ بصره على ظلّ شاهين الممتدّ كبقعةِ حبرٍ على الأرض.
ـ "الكتبُ هنا لا تُباع.. تُسترد."
توقّفت «نَارِين» عن الخياطة. رفعت عينيها الكحيلتين اللتين تشبهان ليلةً بلا قمر، وقالت بنبرةٍ باردة كقطرةِ ماءٍ سقطت في بئر:
ـ "من يطرقُ هذا الباب، لا يبحثُ عن كتاب.. بل يبحثُ عن مخرجٍ من نصٍّ كتبَهُ بنفسه."
تجاهل شاهين وجودها، ومدّ يده إلى داخل معطفه. أخرجَ مجلّداً بلا عنوان، غلافُه جلدٌ داكنٌ جاف، يحملُ مسحةً من خفايا دهور. وضعه على الطاولة الخشبية بينهما، فارتعدَ ضوءُ المصباح.
ـ "أعدتُه. لم أستطع إكمال الفصل الأخير."
التقطَ «برهان» الكتاب، مرّر سبابته على الحافةِ المتآكلة، دون أن يفتحه. قال بصوتٍ يشبه احتكاك الصخر:
ـ "الفصلُ الأخيرُ لا يُقرأ يا شاهين.. يُعاش. وما تركتَه مغلقاً هنا، أخذَ من عمركَ بقدرِ ما تهرّبتَ منه."
شخصت عينا «نَارِين» نحو يدَي الغريب. أشارَ خيطُها الأسودُ إلى مفارق أصابعه.
ـ "انظر.." قالتها بقسوةٍ هادئة.
نظر شاهين إلى كفّيه؛ كانت تجاعيدُ جديدةٌ قد حُفرت عميقاً، وبقعُ شيبٍ جليّة تتسللُ بسرعةٍ إلى معصميه. تراجعَ خطوةً، والذعرُ يلتهمُ ملامحه المبتلة بالعرق.
ـ "ماذا أخذتم مني؟"
ردّ «برهان» وهو يضع الكتاب في تجويفٍ سريّ خلف الرفوف، لتختفي السطورُ والجلدُ في الظلام الداخليّ:
ـ "لم نأخذ شيئاً. أنتَ دفعتَ الثمنَ المعتاد.. قليلٌ من حضورك الحيّ، مقابلَ أن تعرفَ ما كان يجبُ أن يظلّ مجهولاً."
عادت «نَارِين» لتمرير إبرتها في القماش، مستكملةً غرزةً جديدة، وزفرت:
ـ "الآن اخرج.. فقد أصبحتَ جزءاً من المجلّد التالي."
استدار شاهين وخرجَ يهرول، يفرُّ من ظلّه الذي أضحى أطول مما ينبغي. أمّا «برهان»، فعدّل وضعَ المصباح، ومسحَ غبارَ الخطوات عن الطاولة، بينما واصلت «نَارِين» خياطةَ الصمت، بانتظارِ غريبٍ آخر يشتري غيابه.
