
قصة قصيرة/ أسرار اليم
صالح مهدي محمد
قلّما التفت المارة إلى اللافتة الصغيرة التي كُتب عليها: "يم". غير أن من يدفع الباب الزجاجي كان يدخل عالمًا آخر؛ مساحاتٍ تستريح فيها الدفاتر والهدايا، وتغمرها رائحة ورقٍ جديد تعانق بخار القهوة المتصاعد كل صباح من خلف طاولة خشبية عتيقة.
منذ عامين، التحقت سلمى بالعمل في المحل. كانت هادئة الطبع، مولعة بالنظام، تستقبل الزبائن بابتسامة رقيقة لا تكاد تفارق وجهها. وإلى جانبها عمل عادل، شابٌّ وقور، قليل الكلام، لا يطيل الحديث إلا حين يشرح منتجًا أو يعين زبونًا على الاختيار.
تتابعت الأيام، واستحال وجود كلٍّ منهما جزءًا من إيقاع يوم الآخر. حتى الصمت الذي كان يخيّم بينهما لم يعد فراغًا، بل ألفةً وادعة تستغني عن الكلمات.
في إحدى الأمسيات، وبينما كانا يعيدان ترتيب الخزائن وتنسيق المكان بعد إغلاق المحل، انزلق صندوق من الأعلى. اندفع عادل نحو سلمى، فأبعدها عنه، وتلقّى الصندوق على كتفه.
أسرعت إليه وقد ارتسم القلق على وجهها:
ـ هل أنت بخير؟
ابتسم ابتسامة خفيفة، وقال وهو يخفي أثر الألم:
ـ أنا بخير... المهم أنكِ لم تُصابي بأذى.
منذ تلك اللحظة، أخذت التفاصيل الصغيرة تتبدل. صارت النظرات تستقر لحظةً أطول، واكتسبت الكلمات دفئًا لم تألفه من قبل. كان يترك لها المقعد الأقرب إلى النافذة، وكانت تسبق طلبه بفنجان القهوة الذي اعتاد مذاقه.
وفي صباحٍ ممطر، تأخر عادل على غير عادته. تسلّل القلق إلى قلب سلمى دون أن تجد له تفسيرًا. وما إن دخل، وثيابه يثقلها المطر، حتى خرج السؤال من شفتيها عفويًا:
ـ أين كنت؟ لقد أقلقتني.
رفع عينيه إليها، وصمت برهة، ثم قال بصوت خافت:
ـ كنت أفكر فيكِ طوال الطريق. ومنذ زمنٍ وأنا أبحث عن الكلمات... لقد أصبحتِ جزءًا من أيامي، ولا أستطيع أن أتخيّل هذا المكان من دونِك.
ابتسمت، ولم تستطع أن تحجب لمعان الدموع في عينيها، وقالت بهدوء:
ـ وأنا أيضًا... كنت أخشى أن أكون وحدي من يحمل هذا الشعور.
ولم يعد "يم" مجرد محلٍّ في آخر الشارع، بل غدا يحتفظ في أرجائه بسرٍّ لا ترويه الكتب، وتعرفه القهوة، وتشهد عليه الأيام؛ حكاية حبٍّ نمت على مهل، حتى أزهرت بين روحين جمعتهما الألفة قبل أن يجمعهما القلب.
