للذهاب الى صفحة الكاتب   

قصة قصيرة/ وقتٌ ضائع

صالح مهدي محمد

 

يجتاز عادل البوابة كما لو أنه ينسلّ من طيَّةٍ في الزمن. لا يبدو قادمًا، ولا يبدو واصلًا؛ كأن الخطوة نفسها معلّقة بين زمنين، والمكان يتلكأ في الإقرار بعبوره.

أبو صبحي هناك، معلّقٌ بين عينٍ ترقب الطريق وأخرى تنحدر إلى فراغٍ داخلي يهمس ببطء. يقول:

"الوقت… أثقل من أن يُحمل."

تخرج العبارة من فمه كحجرٍ انفلت من قاع سنواتٍ طويلة.

في الداخل، تستقر الأشياء داخل سكونها، كأنها ترفض أن تستبدل صورتها. الأشجار تحرس صمتًا عتيقًا، والأبواب توارب احتمالاتٍ لم تجد من يعبرها. يفتح عادل دفترًا، ويغور في صفحاته كما يغور منقّبٌ في رُقَدٍ من الزمن. ليست الصفحات ذاكرةً بقدر ما هي آثار محاولاتٍ انطفأت قبل اكتمالها. يفتش عن جملةٍ تنتشله من تكرارٍ أخذ يستعير ملامحه.

خلف السور، تنفصل الحديقة عن المشهد كأنها زمنٌ آخر. يوسف الحدقجي منحنٍ فوق التراب، يصغي إلى أنفاسه الخفية. الأرض بين يديه ساعةٌ بطيئة، وكل حركةٍ منها تعيد للعالم إيقاعًا لا تعرفه العجلة.

تتلاقى مساراتهم عند ظلٍّ واحد؛ ظلٌّ يكشف ما تخفيه الوجوه.

أبو صبحي: "أفتح… أغلق… وفي المسافة بينهما يتسرّب شيء لا تُدركه اليد."

عادل: "أكرر الكلام حتى أفقد صورتي فيه. أشرح، ثم أذوب بين الجمل."

يوسف، بعد صمتٍ يشبه الإصغاء: "التكرار وهم. الأرض تبدّل أنفاسها في كل مرة، لكن العين تألف المشهد فتنسى أنه يتغيّر."

يمر طفلان يركضان بلا جهة. ينساب ضحكهما خفيفًا، فيتراجع الزمن خطوةً إلى الخلف. يتبعهما بصر عادل، باحثًا عن طريقةٍ قديمة للرؤية كان يعرفها ثم نسيها.

يقول، كأنه يختبر الفكرة:

"ظننتُ الوقت أداة."

أبو صبحي: "ونحن العلامات التي يتركها مروره."

يرفع يوسف قبضةً من التراب، ثم يدعها تتفتت بين أصابعه:

"لا أحد يحتفظ به، ومع ذلك يعيد تنظيم كل من يلامسه."

الصمت هنا كثافةٌ تستغني عن اللغة.

يفترقون كما التقوا، من غير موعد. غير أن شيئًا خفيًا تبدّل؛ ميلُ النظرة، وثقلُ الخطوة، والمعنى الذي يرافق العبور.

تتشابك الأصوات في الساحة، بينما يكتب عادل أخيرًا اعترافًا مقتضبًا:

"ما لم يُعش، يبقى معلّقًا خارج الحدوث."

يتوقف قليلًا، ثم يضيف:

"والوقت الذي أعجز عن رؤيته… يعرف موضع نقصي."

عند البوابة، يطيل أبو صبحي النظر إلى الداخل، كأن الوصول ما يزال مؤجلًا.

وفي الحديقة، يغرس يوسف شتلةً. يمضي عنها من غير التفات، تاركًا جذورها تكمل ما عجز عمره عن إتمامه.

هناك وحده ينقلب المعنى:

الزمن لا يضيع… إنما يمضي تاركًا فراغًا لا يشهد عليه أحد.