
قصة قصيرة/ حلمٌ يسبق اليقظة
صالح مهدي محمد
كانت الدارُ القديمةُ تقف عند آخر الزقاق. جدرانُها تتنفس رطوبة الأعوام، ونوافذُها المغلقة تحدق في الفراغ كأنها توصد الوحشة بإحكام، والريح وحدها تقلب الصمت على عتبتها.
اعتاد كمال أن يمر بها كل صباح، وكان يشعر أن الدار تسبقه بالنظر، كأنها تعرف خطاه قبل أن يرفع قدميه عن الأرض.
قال زاهي وهو يقترب منه: ـ لا أحد يسكنها.
لكن أبا كمال تمتم وهو يحدق في الباب الخشبي: ـ بعض البيوت لا يسكنها الناس... يسكنها الانتظار.
في تلك الليلة، رأى كمال حلمًا غريبًا. كانت الدار مضاءة، وكانت صفية تفتح نافذةً إثر أخرى، حتى انسكب الضوء على الأرض مثل ماءٍ قديم. ثم التفت إليه أبو كمال وقال: ـ لا تخف... الحلم حين يصدق، يصير الطريق.
استيقظ.
قادته قدماه إلى الدار من غير تفكير. كان الباب مواربًا كأنه لم يُغلق منذ زمن بعيد، والغبار يحمل أثر خطوات حديثة، كأن أحدًا عبر المكان قبل لحظات.
دخل.
كانت صفية تقف في الداخل، وفي يدها مفتاح صدئ.
ابتسمت وقالت: ـ عدتُ لأفتح البيت.
نظر إليها طويلًا. كان يعرف وجهها؛ رآه قبل ساعات، لكن في الحلم.
وصل زاهي متأخرًا، وحدق في الباب المفتوح، ثم في الضوء المتسلل من النوافذ، ولم يجد ما يقوله.
اقترب من أبي كمال وهمس: ـ من هي صفية؟ ولماذا تبدو كأنها تعرف هذا المكان أكثر منا؟
تنهد أبو كمال، وأسند يده إلى الجدار العتيق، وقال بصوت خافت: ـ كانت آخر من خرج من هذا البيت. مات الأب، ورحل الإخوة، وتفرقت العائلة بين المدن. يوم غادرت، أقفلت الباب بهذا المفتاح وقالت: "سيعود البيت حين يعود من يتذكره." ومنذ ذلك اليوم، بقيت الدار تنتظر وعدًا لم يسمعه أحد غير جدرانها.
سكت قليلًا، ثم أضاف: ـ الناس ظنوا أن البيت هُجر، لكن البيوت لا تهجر أصحابها، هي فقط تؤجل لقاءهم.
ساد صمت طويل، حتى خُيل لكمال أن الجدران تنصت هي الأخرى.
خرج الثلاثة إلى الزقاق. كانت النوافذ كلها مفتوحة لأول مرة منذ أعوام، والهواء يمر بينها كأنه يوقظ أسماءً قديمة.
ابتسم أبو كمال ابتسامة هادئة، وقال: ـ بعض الأحلام لا تأتي لتخبرنا بما سيحدث، بل لتوقظ ما تأخر حدوثه.
ومنذ ذلك الصباح، صار المارة يقولون إن الدار عادت إلى الحياة.
أما كمال، فكلما مر بالزقاق، أدرك أن الواقع ليس دائمًا ما نعيشه أولًا؛ أحيانًا يمر بالحلم، يستأذنه، ثم يأتي إلينا متأخرًا، كأنه كان يبحث عن الطريق.
