
قصة قصيرة/ دكان أبو عزيز
صالح مهدي محمد
في حيِّنا، حيثُ يطوي النسيانُ الأزقّةَ كما تُطوى خرائطُ الأمكنةِ التي غادرها أهلُها، ينكمشُ الزقاقُ داخلَ صمته، وتتسرّبُ من شقوقِ الخشبِ العتيقِ خيوطُ ضوءٍ واهنة، كأنها آخرُ ما تبقّى من نبضِ بيتٍ يُقاوم انطفاءَه. ليس في الحيّ ما يستوقف العابر، غير أنّ دكّاناً واحداً ظلّ واقفاً هناك، كأنّه الذاكرةُ الأخيرة التي رفضت أن تغادر أصحابها.
أبو عزيز — أو كما يسمّيه أبناء الحي: العمّ عزيز — رجلٌ يتوسّط السبعين، أثقلت السنواتُ ساقيه، وانحنى ظهره كما لو أنّ سقف الدكّان استعار هيئتَه، غير أنّ عينيه ظلّتا تلمعان بذكاءٍ لم تهتدِ الشيخوخةُ إلى بابه. يجلس كلَّ صباحٍ على كرسيّه القديم، يُقلّب مسبحته بإيقاعٍ رتيب، ويحدّق في الرصيف الخالي، كأنّه يُصغي إلى موعدٍ تأخّر حتى نسي الطريق.
الفجر أتى، ولا مشترٍ في الأفق. ذلك هو المشهد منذ أعوامٍ طويلة؛ الأرصفة تزداد خواءً، والصغار يكبرون ثمّ ينصرفون إلى المدن، حيث الوظائف والمكاتب المكيّفة، فيما تتكاثر البقّالات الحديثة بواجهاتها الزجاجية اللامعة، وتبيع بأقلّ ممّا يستطيع أبو عزيز أن يشتري به بضاعته. أمّا هو، فلا يبدّل عادته؛ يفتح دكّانه مع السادسة، ويغلقه عند أذان المغرب، ولو لم يبع طوال نهاره سوى علبة سجائر واحدة. كانت التجارة عنده طقساً من طقوس البقاء، لا حرفةً تُقاس بالربح والخسارة.
في ذلك الصباح، دخل صبيٌّ غريب — لعلّه ابن أحد الجيران الجدد الذين اشتروا البيوت المهجورة بأثمانٍ بخسة — يحمل كيساً بلاستيكياً، وعلى وجهه ارتباكُ من لم يألف المكان بعد.
— "يا جدّو، أعطني شيئاً حلواً."
ابتسم أبو عزيز ابتسامةً بطيئة، دافئة، تشبه ما تبقّى من أصائل الآباء.
— "عندي كلُّ شيءٍ حلو يا حبيبي."
مدّ يده المرتجفة إلى الرفّ الأعلى، وأنزل علبة البسكويت الكبيرة التي كان ثمنها، في شبابه، يُعدّ رفاهيةً نادرة. ناوله قطعةً واحدة، فرفعها الصبيّ كأنّه يرفع كنزاً صغيراً.
— "كم يا جدّو؟"
— "ادفع لي بابتسامة... بابتسامةٍ واحدة."
ضحك الصبيّ حتى اهتزّ كتفاه، فسمعته أمّه من شرفة الطابق الأوّل، ونزلت تجرّ ثوبها.
— "يا عمّ أبا عزيز، لا تعلّم أولاد الناس النشل!"
ابتسم وهو يهزّ رأسه.
— "ومن قال إنّي أعطيته بلا ثمن؟ لقد أخذتُ منه أثمن ما يملك... ضحكةَ طفل."
أخرجت الأمّ قطعةً نقديّة صغيرة، وضعتها على الطاولة في حياء، ثمّ مضت بابنها.
عند العصر، جاءه حسن المعلّم — صديق العمر، ورفيق الطفولة، وشريك ذاكرة الحي — يحمل كيساً من الفول السودانيّ المحمّص.
— "زنْه لي بالعدل، ولا تزد."
جلسا على الكرسيّين الخشبيّين المتآكلين، يحتسيان الشاي بالنعناع، ويقتسمان خبز الذاكرة. حدّثه حسن عن ابنه الذي يدرس الطبّ في العاصمة، وسأله أبو عزيز عن زوجته، وعن "أمّ حسن الكبيرة" التي احتضنته يوم تركه اليتمُ وحيداً.
— "تدري يا أبا عزيز، أشعر أحياناً أنّ الناس صاروا يركضون أسرع من أعمارهم."
— "الناسُ هم الذين يركضون يا حسن... أمّا الدنيا، فما برحت واقفةً في مكانها."
ثمّ أطرق قليلاً، وأدار فنجانه بين أصابعه.
— "سمعت أنّ البلدية تنوي هدم البيوت. يقولون إنّها آيلةٌ للسقوط، وسيقيمون مكانها عمارات."
لم يُجبه أبو عزيز. أرسل زفرةً طويلة، وسَرُعَ دورانُ مسبحته، كأنّ الصمت صار أثقل من الكلام.
قبيل المغرب، دخلت السيّدة فاطمة أرملة الحي التي ربّت أبناءها وحدها حتى شبّوا تحمل صحناً مغطّى بمنديلٍ أبيض.
— "أكلٌ من يديّ... فلا تردّه."
وضعته على الطاولة. كان محشيَّ ورقِ العنب، الطبق الذي كانت زوجته الراحلة تُتقن صنعه. ما إن لامست الرائحةُ ذاكرته حتى اقشعرّ جسده. رفع المنديل، فإذا بقطعة قماشٍ بيضاء مطرّزة بخيطٍ حريري، وفي داخلها صورةٌ بالأبيض والأسود لامرأةٍ في العشرين، التُقطت يوم زفافها.
— "وجدتها في صندوق أمّ حسن، وأحببت أن تعود إليك."
طال صمته، ثمّ رفع بصره إلى السقف الخشبي، وقال بصوتٍ خافتٍ كأنّه يخرج من بئر:
— "الحي... ما زال يعرف كيف يحفظ أهله."
أغلق الدكّان تلك الليلة قبل المغرب بقليل، وهو أمرٌ لم يفعله منذ ثلاثين عاماً. جلس في بيته يأكل وحيداً، يتأمّل الصورة، فيما كان صوت ابنه الأكبر يأتيه عبر الهاتف، يعرض عليه للمرّة الثالثة ذلك الشهر أن ينتقل إلى شقّتهم الجديدة في الطابق الخامس؛ مصعد، وتدفئة مركزيّة، وحيّ راقٍ.
— "يا بابا، الحيّ القديم انتهى، والبيت لم يعد يصلح."
رفع أبو عزيز عينيه إلى النافذة. رأى الدكّان يغفو تحت ضوءٍ خافت، والشارع الضيّق، وشجرة التين العتيقة التي غرسها أبوه قبل أن يولد.
— "أبشر يا ولدي... أبشر."
لكنّه لم يجمع حقائبه، ولم يغمض له جفن. أبقى الصورة إلى جواره، وفي المنام سمع صوت أمّه يقول:
"يا بُنيّ... الناس لا تبحث عمّن يبيعها الأشياء، بل عمّن يهبها سبباً لتُحبَّ الحياة."
مع فجر اليوم التالي، فتح الدكّان في موعده. جلس على كرسيّه، وأدار مسبحته.
ومن بعيد، أخذ هدير جرّافة البلدية يقترب من الحيّ القديم، ببطءٍ لا يعرف التردّد، كأنّه يمضي إلى موعدٍ كُتب منذ زمن.
— النهاية —
