للذهاب الى صفحة الكاتب   

قصة قصيرة/ رائحة الأمل

صالح مهدي محمد

 

 

شيء ما كان مفقودًا… أو ربما كان كل شيء مفقودًا، باستثناء تلك الرائحة التي لم يعرف أحد مصدرها. رائحة كأنها مطَرٌ قادم بعد جفاف طويل، أو أثرُ ضحكةٍ أبت أن تُمحى.

في زاوية شارع ضيق، جلس ياسر على أطراف الرصيف، يراقب الناس من أمامه.

قال بصوت خافت، وكأنه يحدث نفسه:

"الغريب… أنني لم أعد أميز بين الوجوه. كلها تشبه بعضها… كلها تحمل نفس التعب."

اقتربت منه ريم، وهي تحمل حقيبة صغيرة متآكلة الأطراف تتدلى منها كاميرا تصوير قديمة.

نظرت إليه لحظة، ثم جلست بجانبه دون استئذان.

قالت: "أنت تراقبهم كأنك تبحث عن شيء."

أجاب دون أن ينظر إليها: "أبحث عمّا لم يعد موجودًا."

ابتسمت: "أو ربما عمّا لم تنتبه لوجوده بعد."

صمت ياسر، ثم التفت إليها لأول مرة: "ومن أنتِ لتقولي ذلك؟"

رفعت الكاميرا قليلًا: "أنا أُصوّر التفاصيل التي يظن الناس أنها انتهت."

تدخل صوت ثالث من خلفهما: "وهل تنجحين؟"

كان مالك، يقف مستندًا إلى جدار قديم، يحمل كوب شاي بارد، وعينين لم تنم منذ زمن.

نظرت إليه ريم: "أحيانًا. وأحيانًا أكتشف أن الجمال يتوارى خلف الأستار."

ضحك مالك بسخرية: "الاختباء لا يُغيّر الحقيقة. المدينة تموت، ونحن نؤجل الاعتراف."

قال ياسر: "المدينة حيةٌ، وإنما نفقد القدرة على رؤيتها."

جلس مالك قربهما: "كلام جميل… لكنه لا يطعم جائعًا، ولا يعيد بيتًا سقط."

رفعت ريم كاميرتها، وعرضت عليهما شاشة المعاينة الصغرى، لِتُريَهُمَا لقطةً أخذتها بالأمس:

"اسمعا… التقطت هذه الصورة البارحة."

أرتهما تفاصيل اللقطة، ثم قالت بصوت هادئ:

"حين تضيق الأزقة، يستدعينا التدقيق أكثر، لنلاحظ ما لم نكن نراه."

قال مالك: "كلام يصلح لمعرض صور… يتجاوز واقع الحياة."

ردّت ريم: "إنه صلب الحياة التي لم نجربها بعد."

ياسر، الذي كان صامتًا، قال فجأة: "هل تشمانها؟"

توقف الاثنان. "ماذا؟" سأل مالك.

"هذه الرائحة… منذ الصباح. كأنها تأتي من مكان بعيد… لكنها قريبة."

أغمضت ريم عينيها: "نعم… أشعر بها."

تنهد مالك: "أنا لا أشم شيئًا."

قال ياسر: "لأنك توقفت عن المحاولة."

نظر إليه مالك بحدة: "وأنت؟ ماذا وجدت بمحاولتك؟"

أجاب ياسر ببطء: "وجدت أنني ما زلت حيًا… وهذا يكفي للبداية."

ساد الصمت لحظة.

ثم قالت ريم: "دعونا نبحث عن مصدرها."

ضحك مالك: "نبحث عن رائحة؟"

"نبحث عن سببها،" قالت ريم.

وقف ياسر: "أنا معك."

تردد مالك، ثم تنهد: "حسنًا… لنرَ إلى أين يقودنا هذا الجنون."

بدأ الثلاثة يسيرون في الأزقة، يتبعون شيئًا لا يُرى.

كانت المدينة تتغير كلما تقدموا. الجدران التي بدت رمادية، بدأت تُظهر آثار ألوان قديمة في عدسة ريم وفي أعينهم. النوافذ المغلقة انفتحت قليلاً، كأنها تتنفس.

قال مالك: "هل تلاحظان هذا؟"

قالت ريم: "نعم… كأن المدينة تستيقظ."

أجاب ياسر: "أو كأننا نحن من استيقظ."

توقّفوا أمام باب خشبي قديم.

قال ياسر: "هنا… الرائحة أقوى."

فتح الباب ببطء.

في الداخل، كانت امرأة عجوز تعجن خبزًا، وابتسامة خفيفة ترتسم على وجهها.

نظرت إليهم: "تأخرتم."

قال مالك بدهشة: "هل… كنتِ تنتظريننا؟"

أجابت: "أنا لا أنتظر أحدًا… أنا فقط أستمر."

اقتربت ريم، ورفعت كاميرتها لتوثّق مشهد اليدين الممتلئتين بالطحين: "هذه الرائحة…"

قالت المرأة: "رائحة الخبز… ورائحة الصبر."

جلس ياسر على الأرض: "لماذا نشعر أنها أكثر من ذلك؟"

ابتسمت المرأة: "لأنكم جئتم وأنتم تبحثون عن شيء… يَتَجَاوَزُ الخبز."

نظر مالك حوله: "كل هذا… من أجل هذا المكان الصغير؟"

قالت: "الأشياء الكبيرة تبدأ دائمًا من أماكن صغيرة لا ينتبه لها أحد."

سكتوا.

ثم قالت ريم: "أعتقد أنني فهمت."

نظر إليها ياسر: "ماذا؟"

قالت: "الأمل… مجرد تفصيلٍ بسيط نلتقطه كل يوم، حتى نصدقه."

نظر مالك إلى الخبز: "وهل يكفي هذا؟"

أجابته المرأة: "يكفي… إن لم تتوقفوا عن العودة إليه."

خرجوا بصمت، وكل واحد منهم يحمل في داخله شيئًا لم يكن هناك قبل قليل.

الشارع ذاته بدا أوسع، كأن الجدران تراجعت خطوة إلى الوراء.

أما الرائحة، فبقيت عالقة في الهواء… وفيهم.