
وكلاء بالنِّيابة!/ قصَّة قصيرة
عامر عودة
قال لهُ المحقّق:
_ ليس عندنا مشكلة في إقامة حفلتكَ الموسيقيَّة، لكن إيّاك أن تُغنّي أغان تدعمُ الإرهاب.
فتح عينيْه دهشة وسأله متعجّبًا:
_ أغان تدعمُ الإرهاب! ماذا تقصد؟!
_ أنتَ تعرف جيّدًا ماذا أقصد.
_ أنا لا أغنّي أغان تدعمُ الإرهاب، بل أغان وطنيّة لشعراء مَحَلِّيين معروفين، وقد غَنَّيتها في السّابقَ في عدّة حفلات.
_ لقد حذّرتكَ وكفى!
خرج سامي من مركزِ الشُّرطة ممتعضًا ساهمًا وقلقًا، تُطَوِّقهُ الأسئلة من كلِّ الجهات؛ فقد أقام عدّة حفلات موسيقيَّة، غنّى فيها تشكيلة كبيرة من أغاني الحُبِّ العاطفيَّة والأغاني الشّعبيّة وغيرها، وبعضَ الأغاني الوطنيَّة لشعراء مَحَلّيين، دون أيّ اعتراض أو تهديد من أحد. فهي ليست أغان متطرّفة، ولا "تدعمُ الإرهاب"، كما يَدَّعي المحقّق، بل أغان تتغزَّل بجمالِ الوطن، وتعلن حُبّها له. "شو عدا ما بدا" الآن لكي يُدعى إلى التَّحقيق في مركزِ الشُّرطة، ليطلبوا منه ألّا يُغني أغان كان قد غَنّاها في السّابق؟ ليس هناك أيّ مسوِّغ لذلك. فهل أصبحتِ الأغاني الّتي تتغزّل بربوعِ الوطن أغان إرهابية؟! أم إنَّهم يريدون أن يصبح مجتمعنا قاحلَ المشاعر، ممنوعًا منَ الفرح؟! إنَّ الغناء والموسيقى للمجتمع، كتغريدِ العصافير في الغابة؛ تنثرُ ألحانها فتُضفي جوًّا جميلًا على المكان. ولولاها لأصبحتِ الغابات بلا روح. فهل بإمكان أحد أن يمنعَ تغريدَ العصافير؟!
كانتِ الفرقةُ الموسيقيّة تنتظرهُ في قاعةِ التَّدريبات. عندما دخل وأخبرهم ما طلب منه المحقّق، بانتِ الدَّهشة على وجوههم، ولَفَّهم صمت طويل. فقد تَدرًّبوا كثيرًا لهذا الحفلِ الموسيقيِّ، الّذي لم يَعد على إقامته إلّا أيام قليلة، ومنَ المؤسف أن يحاول أحدٌ منعه بحجّة واهية...
لم يَقطع حبل صَمتهم، إلّا صوتُ وترٍ من إحدى الآلات الموسيقيّة... ثمّ توالتِ الأوتار في قطعها لحبالِ الصَّمت، مُشَكِّلة لحنًا جميلًا... حتّى وجد العازفون أنفسهم يعزفون إحدى الأغاني الوطنيَّةِ الّتي منَ المقرَّر أن يُغنّيها سامي في الحفل. وبشكل لا شعوري، وجد سامي نفسَهُ حاملًا السّماعة، متغلّبًا على هواجسه، رافعًا صوته بالغِناء...
أبلغ سامي رئيسَ المجلسِ المحليِّ الّذي سيقام الحفل تحت رعايته، بما طلبوا منه أثناء التّحقيق. فأبلغهُ الرّئيس بأنّه سيدعو لجلسة طارئة أعضاءَ المجلس، ليخرجوا ببيان مشتَرَك حول هذهِ القضيّة. ثمّ أكَّد له عن تعاضده معه، ودعمه له. فالفنُّ والموسيقى عاملان ثقافيّان روحيان يساعدان في كبح آفةِ العنفِ المستَشري في بلدهِ، كما قال له. فحضرَ الاجتماع جميعُ الأعضاء إلّا واحدًا، دون تقديم أيّ عذر لغيابه. وأصدروا بيانًا استنكاريًّا باسم المجلس، تضامنًا مع سامي.
نشرتِ المواقعُ الألكترونية والصحف المحلّيَّة الخبر. وإحدى المحطّاتِ الإذاعيَّة أجرت مقابلةً صحفيَّةً مع سامي... تناقلَ النّاسُ الخبرَ، وبيعت جميعُ البطاقات لحضورِ الحفل. الأمر الّذي ملأ سامي بالثِّقة، وسانده في التّحدي. فالفنّانُ كالسَّمكة يحيا في بحرِ الجماهير، ولا يدركهُ الموت طالما بقي في لجّةِ أعماقهم.
في اليومِ الموعود، قام سامي من نومِهِ متأخّرًا، بسبب سهرِهِ حتّى ساعة متأخّرة منَ اللّيل، من أجل وضعِ اللّمساتِ الأخيرة للحفل الموسيقيّ، وللإعداد الأخيرِ للفرقةِ الموسيقيّة المرافقة له... جلس في شرفةِ المنزل يرتشف قهوته بفرحٍ عارم، فمؤازرةُ الجماهير له كانت فوق توقّعاته. رَنَّ هاتفُهُ النًّقّال... ظهرَ اسمُ رئيسِ المجلسِ المحلّيِّ على الشّاشة... أسرع بالرَّد... أبلغَهُ الرّئيس بصوت خجول متحشرج بأنَّه قرّر إلغاءَ الحفلِ الغنائيّ، بسبب تهديد بعضِ الجماعات بتخريبه؛ لأنَّ الحفلَ مختَلَط، ينشرُ الفسادَ الخُلقيّ في أوساطِ الأجيالِ الصّاعدة، كما يَدَّعون! وأغلقَ السًّمّاعة تاركًا سامي سابحًا في ذهولهِ...
