
قصة قصيرة/ انعكاس الماء
صالح مهدي محمد
في مساءٍ مائلٍ إلى الرماد، كان النهر يكتب سيرة المدينة على سطحه المرتعش، كأنه يُدوّن ما عجزت الوجوه عن قوله.
وقف وليد عند الضفة، يحدّق في انعكاسه يفتّش عن وجهٍ أضاعه في زمنٍ سابق، وجهٍ أكثر حضورًا، وأقلَّ حديثًا، وأكثرَ ميلًا إلى الصمت. همس لنفسه: "هل هذا أنا فعلًا؟" لكن صوته بدا غريبًا حتى على أذنه.
كانت البيوت خلفه تُطفئ نوافذها واحدةً تلو الأخرى، وتغلق عيونها على شيءٍ لا يُقال، فيما الشوارع تبتلع آخر خطى العابرين؛ المدينة تتهيأ لسرٍّ لا يُحتمل، أو لكلامٍ يُقال عمّا أُغفِل عنه.
مرّ في خاطره صوت أمّه، يأتيه من قاع بئرٍ بعيدة، يقول: "لا تثق بما يعكسك"، ثم يتوقف قبل أن يستمر، تاركًا المعنى يتردد كصدى مبهم.
وقبل أن يمدّ نظره أكثر، سمع وقع خطواتٍ خلفه، بطيئةً ومألوفةً على نحوٍ مقلق، فالتفت على عجل.
كان الرجل يقف هناك، كأن المسافة بين الغياب والحضور لم تكن سوى وهمٍ قصير، وقال بهدوء: "لم أتوقع أن أجدك هنا يا وليد."
تبادل الاثنان نظرةً طويلة، ثم ردّ وليد بصوتٍ متردد: "ولا أنا... ظننتك اختفيت إلى الأبد."
ابتسم الرجل، وقال: "نحن لا نختفي... نحن نترك نسخًا منّا في أماكن لا نعود إليها."
مدّ وليد كفّه نحو الماء، فلم يلمس سوى برودةٍ غامضةٍ تتسرّب إلى عظامه ببطء، وسأل دون أن ينظر: "وهل تركتَ نفسك هنا؟"
أجابه الرجل، وهو يحدّق في النهر: "ربما... أو ربما هذا ما بقي مني فقط."
نظر وليد ثانيةً، فرأى في العمق وجهين لا واحدًا؛ وجهه، ووجه الرجل، متداخلين على نحوٍ يربك الحدود بينهما.
همس الرجل: "انظر جيدًا... أيّنا ينعكس في الآخر؟"
ارتبك وليد، وتراجع خطوةً، بينما بقي شيءٌ منه هناك، عالقًا في تموّجٍ لا يهدأ، وقال بصوتٍ منخفض: "هذا ليس طبيعيًا..."
لكن الرجل لم يُجب، فقط ظلّ يبتسم تلك الابتسامة الغامضة التي توحي أنه يعرف أكثر مما ينبغي.
وحين استدار وليد أخيرًا، لم يجد أحدًا خلفه، كأن الحوار كله كان جزءًا من ارتعاش الماء.
غير أن النهر ظلّ يعكس وجهين لا ينفصلان، والمدينة كلّها كانت تنظر إليه من عيني ذلك الانعكاس، كأنها تراقب اختياره الأخير دون أن تتدخل.
