
سحر الشاشات.. حين تستعيد المقالة حياتها في كتاب
علاء المفرجي
في كتاب (سحر الشاشات) للمؤلف يوسف أبو الفوز، هناك كتب تولد في هيئة كتاب، وأخرى تصل إلى الكتاب بعد أن تكون قد عاشت حياة مختلفة، متناثرة في الصحف والمجلات، تنتظر أن يجمعها صاحبها من جديد ويمنحها فرصة ثانية للقراءة. والكتاب الذي يضم مقالات عن الأفلام ينتمي إلى هذا النوع الثاني؛ فهو لا يقدم لنا مجرد نصوص صحفية أعيد نشرها بين دفتي كتاب، وإنما يستعيد تجربة في الكتابة السينمائية كانت قد وجدت طريقها إلى القارئ عبر الصحيفة، ثم وجدت في الكتاب فضاءً أكثر اتساعاً واستمراراً.
وتنبع أهمية هذه التجربة من طبيعة المقالة السينمائية نفسها. فالمقال الذي يكتب للصحيفة يعيش غالباً في زمن الفيلم وزمن النشر معاً. إنه يتعامل مع فيلم شاهده الكاتب، لكنه يتعامل أيضاً مع لحظة ثقافية وسياسية وفنية تحيط بذلك الفيلم. وحين تنتقل المقالة من الصحيفة إلى الكتاب، فإنها تتحرر جزئياً من شرط اللحظة، وتصبح قابلة لأن تُقرأ بوصفها شهادة على ذائقة كاتبها، وعلى مرحلة من تاريخ السينما، وعلى الطريقة التي كان ينظر بها ناقد أو كاتب إلى الأفلام وصانعيها وتحولات الفن السابع.
من هنا تبدو عناوين أقسام الكتاب الثلاثة لافتة للنظر(شاشات عالمية)، (شاشات فنلندية)، (شاشات عراقية وعربية.) فهذا التبويب ليس مجرد ترتيب تقني للمقالات، وإنما يرسم خريطة واسعة لاهتمامات الكاتب. تبدأ الخريطة من السينما العالمية، بما تمثله من تجارب ومدارس واتجاهات، ثم تتوقف عند السينما الفنلندية بوصفها مساحة سينمائية لها خصوصيتها وملامحها، قبل أن تعود إلى المكان الأقرب، أي السينما العراقية والعربية.
ولعل هذا الانتقال بين الشاشات هو أحد العناصر التي تمنح الكتاب خصوصيته. فالسينما، في نهاية المطاف، ليست فناً له حدود جغرافية مغلقة. الفيلم العراقي يمكن أن يُقرأ في ضوء تجربة سينمائية عالمية، والفيلم الفنلندي يمكن أن يفتح نافذة على أسئلة إنسانية تتجاوز بلده، كما أن السينما العالمية لا تكتمل صورتها من دون أن يكون للسينما العربية والعراقية موقع داخل هذه الخريطة.
ويبدو القسم الخاص بالسينما الفنلندية جديراً بالتوقف بصورة خاصة حيث فنلندا مكان إقامة المؤلف، ولأنه يكشف عن اهتمام يتجاوز المألوف في الثقافة السينمائية العربية. فالسينما الفنلندية ليست من السينمات التي تحظى عادة بالحضور نفسه الذي تتمتع به السينمات الأميركية أو الفرنسية أو الإيطالية، ولذلك فإن تخصيص قسم لها يعني أن الاختيار لم يكن قائماً على شهرة الأفلام وحدها، بل على رغبة في الاقتراب من تجربة سينمائية مختلفة، واكتشاف ما يمكن أن تقوله شاشة بعيدة جغرافياً وثقافياً عن الإنسان والحياة والمجتمع.
أما الانتقال إلى الشاشات العراقية والعربية فيعيد الكتاب إلى بيئته الأولى. وهنا تصبح الكتابة عن السينما أكثر من قراءة فنية لفيلم؛ إذ تتصل بأسئلة الإنتاج، والجمهور، والذاكرة، والهوية، وعلاقة السينما بمجتمعاتها. فالسينما العراقية، تحديداً، تحمل تاريخاً طويلاً من الأحلام والانقطاعات والتجارب الفردية والجماعية، ولذلك فإن الكتابة عنها هي، في جانب منها، كتابة عن بلد حاول أن يرى نفسه على الشاشة، وعن سينمائيين سعوا إلى صناعة صورة مختلفة للواقع.
والميزة الأساسية في جمع هذه المقالات في كتاب أن القارئ يستطيع أن يرى الخيط الذي ربما لم يكن ظاهراً عندما كانت النصوص منشورة بصورة منفردة في الصحف. المقالة الصحفية تُقرأ عادة في سياق عدد معين، وبين أخبار وتحقيقات وإعلانات ونصوص أخرى، ثم تمضي. أما حين تُجمع المقالات في كتاب، فإنها تبدأ في الحوار مع بعضها بعضاً. تتجاور الأفلام، وتتقاطع التجارب، وتتضح اختيارات الكاتب، ويمكن للقارئ أن يكتشف أن ما يبدو مقالات متفرقة هو في الحقيقة مشروع قراءة متواصل للسينما.
والكتاب، بهذا المعنى، يقدم أيضاً صورة عن زمن الصحافة الثقافية التي كانت تمنح السينما مساحة للحوار والنقاش. فالكتابة السينمائية في الصحافة ليست ترفاً ثقافياً، لأنها أسهمت طويلاً في تكوين وعي المشاهد، وفي تعريفه بأفلام ومخرجين وتجارب ربما لم يكن الوصول إليها سهلاً. ومن المؤسف أن حضور النقد والكتابة السينمائية في الصحافة أخذ يتراجع أمام السرعة التي فرضتها المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث تختصر أحياناً تجربة فيلم كامل في جملة أو تقييم رقمي أو نجوم تمنح للفيلم.
نشر في المدى البغدادية عدد يوم ٢٤ آب ٢٠٢٦
