
قصيدة نثر/ سيد الكائنات
صالح مهدي محمد
خيم السكون على الأكوان بعد أن صارت ترى ما لم تبصره عين، فتناهت في أوج دهشتها، وجاء البيان صادحًا من فم الأبدية، وحين تُطفأ الشموس، يبقى وجهه نافذة لا تُغلق، ونورًا يضيء عتمة الوجود.
ما كان بشرًا عاديًا يمشي بين الرمال، بل كانت الرمال تتعلم منه كيف تصير طريقًا، وكانت الريح تستعير من خطواته هدوءها ليورق الحصى.
جاء، فتوهجت الكلمات في أفواه العرب، وتهاوت الأصنام كأنها أوراق خريفٍ تساقطت، خجلى من جمودها، وانكسرت حيرة السنين أمام أولِ شعاعٍ ينبت من جبينه.
كان قلبه بحرًا لا تُقاس أعماقه بمقاييس البشر، وكانت يداه غيمتين، إذا مالتا سقط المطر على المحرومين فاخضورّت أرواحهم، ومسحتا على ناصية الجفاف فتفتحت في الصخر ينابيع الوداد.
كان سلامًا يمشي على قدمين، يوقظ في الذئب حنينه إلى أن يكون حملاً، ويعلم الليل كيف يستغفر في محراب البكاء.
مشى في مكة لا مستكبرًا ولا خائفًا، بل لأنه كان أول من كلم التراب فلم يتعالَ عليه، وأول من أعاد للهواء عذوبة التسبيح الأولى.
عرج ليلةً، فعادت السماء تسأل الأرض: من هذا الذي حملته فوق كتفيك ولم تشعري بثقله؟ أتستريح المجرات في خطوته، أم أن النجم جاء يطلب منه بعض بريقه؟
وفي المدينة، غرس النخل من كلامه قبل أن تغرسه الأيدي، فأثمرت القلوب تمرًا من يقين، وشدت الأرواح رحالها نحو ظله لتستريح من هجير الغفلة.
هو الذي قرأ الكون كله في آية واحدة: (ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ)، فانفتحت له الحروف كأزهارٍ لم تُقطف من قبل، وسالت المعاني في عروق الوحي نهرًا يفيض ولا ينضب.
سيد الكائنات، لا لأنه امتلكها، بل لأنه أحبها حتى تنازلت له عن عروشها الصغيرة، وانحنت عند قدميه هيبة الملوك وسلطان السلاطين.
وحين يذكره الشوق، تصطف الأزمنة كلها في صف واحد، خلف رجل واحد، كان الرحمة حين لم تكن الرحمة قد سُميت بعد، وسيبقى الفجر الذي لا يغيب، ولو أُطفئت شموس الوجود.
